رؤية إسرائيلية.. البرغوثي يطارد نتنياهو من سجنه!

بينما يثور جدل عربي حول المقاومة الفلسطينية وحدود دورها والمسموح لها به من فعل عام مقاوم يمس الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، وبينما تصاعد الجدل عقب قيام فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) باجتياز السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ودولة الكيان الصهيوني الغاصب وتنفيذ عمليات قتل واختطاف في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن رؤى إسرائيلية عديدة تنظر إلى المقاومة ورموزها بطريقة مختلفة تستحق التسجيل والنقل.
المحاماة للجميع
في افتتاحية نشرت هذا الأسبوع، دافعت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن حق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية في وجود تمثيل قانوني للدفاع عنهم، وانتقدت مصلحة السجون الإسرائيلية التابعة لوزير الأمن الوطني المتطرف إيتمار بن غفير لقيامها بالتضييق على المحامين الذين يدافعون عن الأسرى الفلسطينيين، كما اعتبرت أن منع المحامين الإسرائيليين من مقابلة موكليهم، والتشهير بهم، والادعاء بأنهم ينقلون رسائل من «الإرهابيين» إلى أسرهم هو «ترهيب متعمد».
دفاع الصحيفة الإسرائيلية لم يميز بين سجين فلسطيني مدني وبين متهم أو مدان بقتل إسرائيليين، فبين آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان الصهيوني مئات وربما آلاف من المنتمين لفصائل المقاومة أو من المحسوبين عليها. ورغم ذلك، فإن الصحيفة المعروفة بتوجهها اليساري لم تستثنِ رجال المقاومة بل انحازت إلى حقهم في التمثيل القانوني، بينما نجد من المتحدثين بلغة الضاد من يحمل على المقاومة، ويفتّ في عضدها، ويشوه مقاصدها، ولا يجد حرجًا في أن يرميها بالعمالة والتآمر، وبتنسيق هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول مع أجهزة الاحتلال.
نتنياهو والصورة
بنيامين نتنياهو هو رئيس الوزراء الأكثر بقاءً في السلطة منذ تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين التاريخية في مايو/أيار 1948، وهو معروف باحترافيته وخبرته في التعامل مع وسائل الإعلام، حيث يختار الوسيلة التي يطل منها والتوقيت، ويتحكم دائمًا في إيقاع أي مقابلة ويحصل منها غالبًا على ما يريد. وآخر الأمثلة على ذلك ظهوره الشهر الماضي في بودكاست أمريكي شهير مع المحاورين كايل فورجارد وآرون ستاينبرغ، عضوي فرقة نيلك بويز، وهي مجموعة من مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي معروفة بتوجهاتها اليمينية، وقد اجتذبت أكثر من 8.5 مليون مشترك على موقع يوتيوب، واكتسبت شهرتها من استضافة شخصيات محافظة أبرزها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
أثارت المقابلة جدلًا وهجومًا على المحاورين بسبب عدم توجيههما أسئلة جادة حول الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بالتورط في جرائم حرب وفي الإبادة الجماعية وتجويع الفلسطينيين في غزة، لكن رئيس الوزراء الذي درس وعمل في الولايات المتحدة الأمريكية دبلوماسيًّا ويتحدث الإنجليزية بلكنة أمريكية اختار بعناية هذه المجموعة للظهور معها لرفع شعبيته المتراجعة في أوساط اليمين الأمريكي.
البرغوثي يطارد نتنياهو
يربط كاتب إسرائيلي بين ولع نتنياهو بالصور الإعلامية والذهنية التي يحرص على تصديرها وتكوينها بعناية في تعامله مع وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وبين القيادي الفلسطيني السجين مروان البرغوثي (66 عامًا)، وكيف أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني الذي يواجه اتهامات متعددة بالفساد واستغلال النفوذ وتلقي الرشا وتعمد إطالة أمد الحرب لأسباب شخصية وسياسية، مطارد بواسطة أحد أبرز وجوه المقاومة الفلسطينية من داخل سجنه الذي يقبع فيه منذ عام 2002.
مروان حاضر خارج الأسوار
ينظر إلى مروان البرغوثي على نطاق واسع باعتباره القائد الفلسطيني الأكثر احتمالًا لخلافة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الذي سيكمل عامه التسعين بعد أشهر ثلاثة، كما ينظر إلى البرغوثي عالميًّا باعتباره أيقونة للنضال الفلسطيني من أجل الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية، ويشبّه على نطاق واسع بالزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا الذي مكث سبعة وعشرين عامًا في سجون نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، وعندما أفرج عنه سقط حكم البيض وانتُخب ليكون أول رئيس من السكان الأصليين ذوي البشرة السمراء بين عامي 1994 و1999.
البرغوثي كان موضوع مقال للكاتب الإسرائيلي ألوف بن في صحيفة هآرتس هذا الأسبوع، حيث يرى الكاتب أن المشهد الذي يطارد رئيس الوزراء نتنياهو ويطير النوم من عينيه هو صورة مروان البرغوثي وهو يخطو بفخر خارجًا من السجن رافعًا يديه بعلامة النصر، مما يجعله بطلًا عالميًّا باعتباره «مانديلا الفلسطيني».
يذهب بن المعروف بانتقاداته لنتنياهو إلى أن هذه الصورة المحتملة، التي ستتصدر الصحافة العالمية لمدة طويلة، ونضال مروان ضد الاحتلال، وطول فترة محكوميته، كل هذا سيجعل منه بطلًا أسطوريًّا يطفئ أي ادعاء بالنصر يمكن أن يزهو به نتنياهو، كما أن هذه الصورة المتوقعة تحول بين رئيس الوزراء، الذي يقود حكومة يمينية متطرفة، وبين إبرام صفقة شاملة لتبادل الأسرى مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
الصفقة المؤجلة
يعتقد الكاتب الإسرائيلي أن نتنياهو نجح منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وشن الحرب على قطاع غزة في تجنب صفقة «الكل مقابل الكل»، وتعني الإفراج عن كل الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة مقابل كل الأسرى والسجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، حيث يتوارى رئيس الوزراء نتنياهو خلف شركائه في الائتلاف الحاكم الذين يرفضون بحسم أي تنازل في ملف الأسرى الفلسطينيين، ويقرون علنًا باستعدادهم للتضحية بباقي الرهائن الإسرائيليين لتفادي أي اتفاق نهائي يتم بموجبه الإفراج عن قادة فلسطينيين من الوزن الثقيل مثل مروان البرغوثي.
السنوار أيضًا هنا
لا يبدو أن مروان البرغوثي وحده الذي يطارد نتنياهو، فوفقًا للكاتب ألوف بن فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية لديه هاجس تكرار صفقة مبادلة الجندي الإسرائيلي المختطف لدى حماس جلعاد شاليط عام 2011 بعدد كبير من السجناء الفلسطينيين والقادة، الذين كان من بينهم يحيى السنوار الذي خرج ليعيد بناء قوة حماس عسكريًّا وتنظيميًّا، ويخطط لاجتياز السياج الحدودي الفاصل بين غزة وإسرائيل، ويهاجم المستوطنات المتاخمة للقطاع ومقرات جيش الاحتلال في 2023.
يقارن الكاتب بين البرغوثي والسنوار الذي كان قياديًّا تنظيميًّا كبيرًا في حماس، لكنه لم يكن معروفًا بشكل كبير خارج السجن وأجهزة المخابرات، ولذا لم يمثل إطلاق سراحه عبئًا دعائيًّا على نتنياهو، واستغرق الأمر سنوات حتى تتضح حقيقة نفوذه وهيمنته على القرار في فصائل حماس داخل غزة.
أما البرغوثي، السجين لدى سلطات الاحتلال منذ 23 عامًا لإدانته بالمسؤولية عن مقتل خمسة إسرائيليين، فهو شخصية عالمية بارزة سيُقدَّم فورًا بوصفه وجه الدولة الفلسطينية، وأمل الأجيال الجديدة لإنهاء مشروع الاحتلال وسلب الأرض، والتهجير، وهدم نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية.
انتعاش حل الدولتين
نجح نتنياهو بدهاء وقدرة كبيرة على المراوغة في تفادي الضغوط التي تدفع بحل الدولتين لتجنب إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذلك منذ عودته إلى الحكم عام 2009، لكن الكاتب الإسرائيلي يعتقد أن مشروع الدولتين انتعش مجددًا بعد أن تضررت صورة إسرائيل في الغرب، وضاقت دول كبرى بمشاهد التجويع والقتل والدمار في غزة، وقررت في موجة مفاجئة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وأصبح الصوت السياسي العالمي الجديد متمردًا على الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل. وبدلًا من أن يؤدي القتل والتدمير لإضعاف الروح الفلسطينية، فإن موجة التعاطف مع الفلسطينيين والاعتراف بدولتهم قلبت حسابات نتنياهو.
يختم ألوف بن رؤيته بأن تصاعد الضغوط الدولية، وتنامي التمرد الصامت في الجيش، وفشل نتنياهو المتوقع في تنفيذ تهجير جماعي من الضفة الغربية وقطاع غزة، ستشكل ضغطًا كبيرًا عليه، ومع ذلك فإنه «سيواصل تجاهل المختطفين المعذّبين في أنفاق حماس». كما سيستمر في عرقلة أي صفقة قد تفضي إلى الإفراج عن زعيم فلسطين القادم مروان البرغوثي.
العرب الصامتون
وسط غياب الحاضنة الشعبية والكاريزما التي يفتقدها الرئيس محمود عباس، يقف البرغوثي ممثلًا لجيل مختلف، بسجل نضالي راسخ بوصفه زعيمًا للمقاومة، واعتراف دولي، وصورة جاهزة لـ«مانديلا الفلسطيني» تؤرق نتنياهو في مضجعه، بينما لا تزال هناك أصوات عربية لا تكتفي بالصمت على فظائع الاحتلال في غزة، بل توجه سهامها وسمومها نحو المقاومة الفلسطينية بأطيافها، التي قدمت تضحيات تمنع سواها من الكلام والحديث باسم الشعب الفلسطيني.
