ضريبة قاسية لإظهار الحقائق يدفعها الإعلاميون

بلغ عدد الشهداء من الإعلاميين حتى الآن 238 إعلاميًا، راحوا ضحية القصف الإسرائيلي المتواصل لغزة، بخلاف المصابين منهم، إضافة إلى الشهداء والمصابين من أسر وأقارب هؤلاء الإعلاميين، وهو أمر كفيل بجعلهم يعيدون النظر في الاستمرار إلى ممارسة هذه المهنة الخطرة، بل والمميتة، لكنهم – رغم كل هؤلاء الشهداء والمصابين – مستمرون في أداء مهنتهم ورسالتهم الإعلامية، لنقل مشاهد الإبادة الجماعية على الهواء مباشرة، رغم إمكانية تعرضهم للقصف في كل لحظة، وفي ظل وجود تهديدات بالقتل من قبل سلطات الاحتلال.
ورغم الظروف المعيشية الصعبة، من صعوبة التحرك بين مناطق الأحداث لأسباب أمنية أو لوجستية، والعيش في الخيام أو الشوارع، وقلة الغذاء المتاح حتى للشراء، والسعي في الوقت نفسه لتدبير شؤون أسرهم من مأكل ومشرب وكساء وعلاج وإقامة، وفي ظل الفقد المستمر للأقارب والجيران والأصدقاء، وهدم البيوت، والنزوح المتكرر، وغياب الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق الأساسية؛ فإن مهمتهم لا تقل في جوهرها عن دور رجال المقاومة. فمن خلالهم شاهد العالم مشاهد القتل والدمار اليومي لكل معالم الحياة في غزة، وبفضلهم نعيش مع معاناة الأسر الصامدة، وهم ينقلون المشاهد من المستشفيات والخيام والمدارس والأسواق والطرقات، مع أصوات الصغار والكبار المرهَقة، وصور الدمار الذي لحق بالبيوت والشوارع.
ظروف عمل يومية بالغة القسوة
نتخيل تلك المهمة المستمرة على مدار الساعة لنقل أخبار ونتائج القصف المستمر ليلًا ونهارًا، ومتابعة أعداد الضحايا، واللقاء مع الجرحى وأقاربهم وشهود العيان، ورصد تفاصيل نقص دخول المساعدات وتأثيرها على الوضع المعيشي والصحي، أو متابعة رحلة دخول شاحنات المساعدات وما يتم من سطو على معظمها، وما يسقط من ضحايا أثناء الحصول عليها، سواء أُلقِيت جوًا أو وصلت برًا، ورصد مدى توافر السلع وأسعارها وعجز السكان عن شرائها.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كل ذلك يشير إلى أننا أمام أبطال يتحملون مشاق فوق طاقة البشر، لفترات طويلة، وفي ظل ظروف عمل ومعيشة بالغة القسوة، مع صعوبات إرسال المواد الإعلامية بسبب انقطاع الإنترنت، واتهامات سلطات الاحتلال لهم بالانتماء للمقاومة، والتضييق عليهم من بعض الجهات الإعلامية العربية والغربية التي تتبنى الرواية الصهيونية، والتي تقلص مساحات بث ما يرسلونه.
ازدواجية المعايير
حادث مقتل 12 شخصًا في صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية، منهم ثمانية صحفيين في يناير 2015، أدى إلى مسيرة حاشدة حضرها قادة من أكثر من 40 دولة، على رأسهم الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية، ورؤساء وزراء وبعثات دبلوماسية رفيعة، بينما لم يتحرك أحد أمام استشهاد العشرات من الإعلاميين في غزة خلال الشهور الماضية، وحتى الحادث الأخير الذي استشهد فيه ستة إعلاميين أمام مستشفى الشفاء – منهم خمسة من شبكة الجزيرة – لم يحظَ إلا بتنديد محدود من بعض الدول والجهات، وغاب عن مشهد الإدانة معظم العالم.
قائمة شرف للشهداء
إذا كانت شبكة الجزيرة قد قدمت حتى الآن 11 شهيدًا من رجالها، فإن هؤلاء لا يمثلون سوى 5% من مجموع الضحايا، ما يشير إلى حجم الفاجعة. وخلف كل شهيد أسرة فقدت عائلها، وأطفال فقدوا آباءهم، وزوجات فقدن أزواجهن، ومؤسسات إعلامية فقدت كوادر مدربة، وبلد فقد خبرات مهنية محترفة.
لذلك ندعو أمانة الإعلام بالجامعة العربية لتأسيس صندوق لرعاية أسر الشهداء، واتحاد الصحفيين العرب ونقابات الصحفيين وكليات الإعلام في الدول العربية لإعداد قائمة شرف بأسماء شهداء ومصابي الإعلام في غزة، مع نبذة وافية عن كل واحد منهم، لتكون قدوة للأجيال، ونماذج للصمود وأداء الواجب المهني، ودفع ضريبة نقل الحقيقة مهما علا ثمنها.
