صنع الله إبراهيم.. لن يكون وداعا أبدا

كانت معرفتي الأولى به، معرفة قارئة جامعية، تبحث بين الكتب عن شيء مختلف، شيء يعيد بعض الروح لحياتي التي لا يمكن وصفها بالشيقة ولا المملة، حياة عادية مثل حياة الملايين من الفتيات في الوطن العربي، وكنت أظن أنني أبحث فقط عن حكاية مسلية، لكنني وجدت نفسي أمام عالم مختلف تماما، يتجسد في رواية “ذات”.
كانت تجربة قراءة مختلفة، فالرواية تمزج بين قصة امرأة مصرية عادية تُدعى “ذات”، فتاة وُلدت في عام 1952 تزامنا مع ثورة يوليو، ثم رسمها الأستاذ صنع الله فتاة طيبة وضعيفة، تعمل في أرشيف إحدى الصحف، ليمرر من خلال تلك الوظيفة وتلك الحياة عشرات التحولات الحياتية والسياسية والاجتماعية والثقافية في مصر وحتى أوائل التسعينات. نرى من خلال الرواية كيف تتبدل شوارع القاهرة ووجوه الناس وأحاديث البيوت، وكيف تتحول الأحلام الصغيرة إلى هموم يومية: طوابير الخبز، غلاء المعيشة. بين مشاهد عملها في الأرشيف، تتسلل أخبار الصحف والنشرات، وعناوين “زنكوغرافية” لأحداث وأخبار مهمة في ذلك الوقت، لتصبح “ذات” شاهدة على عصر يعج بالأحداث. لم أكن أعرف أنني يوما ما سأصبح كاتبة، لكنني كنت أحلل بحسي الثقافي البسيط وقتها بأن “ذات” هي مصر.
رحلة بين نصوص تصنع الوعي
ومن يومها، لم أكتفِ بقراءة “ذات”، بل انطلقت أبحث عن باقي أعماله، فقرأت “أمريكانلي”، تلك الرواية التي تأخذك إلى عمق تجربة أستاذ جامعي مصري في الستين من عمره، جرى انتدابه للتدريس في إحدى الجامعات الأمريكية أواخر التسعينيات، ليجد نفسه وسط عالم يفيض بالتناقضات. هناك، بين أروقة الجامعة وقاعات المحاضرات، يتأمل المجتمع الأمريكي من الداخل: بريق التكنولوجيا والحرية الفردية في مواجهة ظلال العنصرية وعدم المساواة، وثراء المدن الكبرى في مقابل العزلة والاغتراب. على طريقته المعتادة، ينسج صنع الله السرد مع الأخبار والتقارير والحقائق الموثقة، ليكشف الوجه الآخر لأمريكا، ويضع القارئ أمام أسئلة عن السلطة والهيمنة، وعن معنى الحرية حين تأتي محمّلة بالمصالح.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ثم “بيروت… بيروت” التي حملتني إلى وجع الحرب الأهلية اللبنانية ومعاناة أهلها، وغيرها من أعماله التي تتنقل بين حياة الشخصيات الفردية والأحداث الكبرى في المجتمع والسياسة، لتقدم رؤية شاملة لعالمه الروائي.
صنع الله إبراهيم لم يكن مجرد روائي، بل كان شاهدا على عصره، يكتب بلغة مقتضبة وجمل قصيرة تحمل ثقل المعنى وعمقه، وربما شكلت تجربة السجن السياسي التي مر بها في شبابه، جوهر قلمه الأدبي، إذ عاش القمع والصمت القسري، فأصبحت هذه التجربة محورا لإبداعه ومصدرا لأفكاره، فقد انضم خلال دراسته إلى صفوف الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وهي تنظيم يساري معارض للنظام آنذاك، وفي عام 1959، ألقت السلطات المصرية القبض عليه ضمن حملة واسعة ضد التنظيمات اليسارية، وأُحيل إلى محكمة عسكرية قضت بسجنه سبع سنوات مع الأشغال الشاقة. قضى منها حوالي خمس سنوات في سجون “القلعة” و”أبو زعبل” و”الواحات”، حتى أُفرج عنه عام 1964.
أرشيف الضمير العربي في هيئة رواية
منذ روايته الأولى تلك الرائحة (1966)، التي كسرت التابوهات وصدمت القراء بنبرة لم يألفوها، وحتى اللجنة (1981) التي رسمت صورة عبثية لبيروقراطية السلطة، وصولا إلى وردة (2000) التي وثّقت حلما ثوريا في عُمان، مستعرضة صراعات الشباب الطامحين للتغيير في مواجهة القمع السياسي والاجتماعي، ومظهرة كيف يمكن للأفكار والمبادئ أن تشكل دافعا للنضال والتضحية، لكنها أحيانا تصطدم بخيبات الأمل، لتقدم صورة حية ومؤثرة عن الثورة والحياة في تلك الحقبة.
ظل صنع الله إبراهيم يؤكد أن الرواية عنده أداة لفهم العالم، وليست مجرد وسيلة للترفيه.
كان ينفرد بأسلوب خاص في دمج الوثائق والأحداث الحقيقية داخل النص، حتى تكاد تجد بين فصول رواياته قصاصات أخبار وإحصاءات ووقائع تاريخية، فتخرج منها بشهادة حيّة بقدر ما تخرج برواية، وتلمس فيها نبض الشارع وصوت المهمشين وصدى اللحظات الفاصلة في التاريخ.
لقد كان كاتبا متمرّدا بالمعنى الأجمل للكلمة، يكتب بصدق وحرية، دون أن يخضع لإرضاء أحد أو التنازل أمام السلطة، ولذلك لم يتردد في رفض جائزة الدولة التقديرية عام 2003، مفضّلا أن يحافظ على استقلاله الفكري، في موقف نادر في زمن تُقاس فيه مكانة الكاتب بعدد الجوائز والتكريمات التي يحصل عليها.
ورحيله اليوم لا يعني غيابه، فكتبه ستظل حيّة تقرؤها أجيال متعاقبة، وتشكل خريطة حية لتاريخ مصر والعالم العربي خلال نصف قرن، من النكسة إلى العولمة، من الحرب الأهلية إلى انتفاضات الخبز، من الحلم الثوري إلى الصفقات السياسية، وربما هذا ما يجعل صنع الله إبراهيم واحدا من القلائل الذين يمكن وصفهم بأنهم “أرشيف الضمير العربي” في هيئة رواية.
صنع الله إبراهيم كتب بروح المؤرخ وجرأة الروائي، وبقي مخلصا لفكرته عن أن الأدب ليس هروبا من الواقع، بل مواجهة له، ولأنه كتب بصدق، سيظل حاضرا رغم الغياب.
رحم الله الأستاذ صنع الله إبراهيم، الذي جعل من الرواية مرآة وزمنا ووثيقة، وعلّمنا أن الكلمة حين تكون حقيقية، تظل أقوى من النسيان.. وأقوى من الوداع.
