لماذا لم يرتب القرآن نفسه ترتيبا موضوعيا؟!

القرآن الكريم (رويترز)

 

القرآن الكريم الكتاب الإلهي، وآخر رسالات السماء لأهل الأرض، نال خدمة كبرى لم ينلها كتاب سماوي آخر، والموضوعات التي تتناولها بالطرح والنقاش لا تنتهي، فهو كما ورد في الأثر: لا تنقضي عجائبه، ومهما تناوله العلماء بالكتابة والطرح، لا يزال معينا لا ينضب، ومع كثرة كتب التفسير، فإنه لا يزال يحتفظ بأسرار وأنوار، لم تكتشف بعد، وهذا من أهم أسباب إعجازه التي أسهب في دراستها والحديث عنها علماء الإسلام قديما وحديثا، بل وكذلك علماء الأديان من غير المسلمين.

سؤال لم يطرح:

ومن الأسئلة التي لم تطرح، ولم يتم تناولها في الحديث عن القرآن، سؤال مهم، وهو: لماذا لم يرتب القرآن الكريم نفسه ترتيبا موضوعيا؟ فإن القرآن نزل مفرقا، أي: آيات تنزل حسب الحالة والقضية المطروحة، وهو ما ناقشه العلماء كثيرا، لكن أحدا لم يتناول قضية، لماذا بعد انتهاء نزول القرآن، لم يتم ترتيبه على حسب الموضوعات، فيكون هناك سورة بعنوان: المرأة، ويكون عنوانها ومحاورها كل ما يتعلق بالمرأة، فتجمع كل الآيات المتعلقة بها، وتتناول ما يهمها ويتعلق بها، أو: الأسرة، أو: الحلال والحرام في الأطعمة والأشربة، أو: الحدود، فتكون هناك سورة متعلقة بموضوع الحدود فقط، وهكذا، يكون التناول من باب الموضوع، لا من حيث ما نراه الآن، آية تتكلم عن العقيدة، وأخرى عن التشريع، وثالثة عن الأخلاق، وهكذا، على ما نقرؤه الآن في القرآن الكريم.

فمن المفهوم أن نزول القرآن على هيئة مقاطع، أو آيات، حسب الأحداث الجارية، أو بحسب الوقائع، فهذا وقت نزول الآيات، ومعلوم أن الآيات كانت تنزل، ثم يخبر جبريل -عليه السلام-، النبي محمدا -صلى الله عليه وسلم-، بأن هذه الآيات في سورة كذا، إلى أن تنتهي السورة، من بدايتها حتى نهايتها، لكن من المعلوم أن القرآن قد اكتمل قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلماذا لم يرتب بعد ذلك في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ترتيبا موضوعيا؟

ليس كتابا مؤلفا حتى يكون موضوعيا:

وبداية نوضح أمرا مهما قد يغيب عن أذهان البعض، أن نزول القرآن بكيفية معينة، آيات ومقاطع، وبعض سوره نزلت مرة واحدة، وبعض آياته نزلت في فترات زمنية مختلفة، إلى درجة أن نرى سورة من سور القرآن الكريم قد نزلت آياتها من أولها لآخرها، في سنوات مختلفة، وليست في أيام مختلفة، ثم ترتيب السور، وتسمية السور القرآنية، بهذا الترتيب، وبهذا الوضع، هو أمر توقيفي، أي: بوحي، وليس اجتهادا من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حامل رسالة الله للبشرية جمعاء، وفي مثل هذه المواضع يكون موقف المسلم التسليم لما قضى الله -عز وجل-، وليست هناك مشكلة من مناقشة الحكمة من وراء هذا الفعل الإلهي، أو دلالات هذا الأمر.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وهو ما لم نجد أحدا ناقش هذا الأمر سواء بإسهاب، أو بإشارة من القدماء من العلماء، ولم أجد –فيما بحثت– من المعاصرين من تناولها، سوى الأستاذ خالد محمد خالد -رحمه الله-، في مقدمة كتابه: (كما تحدث القرآن)، حيث طرح السؤال، وفكر فيه، وانتهى لإجابة سريعة، وهي: (أن القرآن لم يرتب نفسه ترتيبا موضوعيا لسبب يسير، هو أنه ليس كتابا مؤلفا..

أجل.. فلو كان القرآن كتابا مؤلفا، لانتهج ذلك النهج الذي لم يكن يؤوده، أو يعجزه).

إعجاز القرآن مدخل للفهم:

والحقيقة أن الموضوع يتعلق بما ناقشه كثير من علمائنا تحت باب: إعجاز القرآن الكريم، وهو ما أسهبوا فيه قديما وحديثا، في حديثهم عن إعجازه البلاغي، وإعجازه القصصي، وإعجازه في فواصله، أي: آياته، من حيث ختام الآيات، ومن حيث سياقها، وموضوعها، وهو ما نلمحه بوضوح في القرآن الكريم، فلو تحدثنا عن سورة كسورة النساء، سنجد كل آية تتعلق بحكم معين، وتنتقل من أحكام اليتامى، وأحكام النساء، إلى أحكام متعلقة بالحكم بين الناس، وآيات متعلقة بالعقيدة والشرك، وآيات متعلقة بالعلاقات الاجتماعية، وآيات متعلقة بأنبياء سابقين وأقوامهم، كموسى وعيسى -عليهما السلام-.

وهذا ملمح من أهم ملامح إعجاز القرآن، إذ إذن لو أن كاتبا كتب كتابا متفرق الموضوعات، في الفصل الواحد، أو الباب الواحد، لعد ذلك من عوامل تفككه وضعفه وركاكته، ولكنه في القرآن لا يوصف بذلك، بل لا تقل عظمة آياته وروعتها من سورة عن الأخرى، فربما نظرنا لسورة كسورة يوسف أنها قصة متكاملة من أولها حتى آخرها، ومع ذلك لن تجد الفصاحة والبلاغة مختلفة عن سورة النساء، فضلا عن بقية سور القرآن الكريم، ولا تشعر بهذا الانتقال أنه يفصلك عن المواصلة، أو عن الانجذاب للتكملة أو التأمل أو التلاوة، وهذا ما تحدى به القرآن نفسه العرب وغيرهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، أو بآية منه.

فإعجاز القرآن في حديثه في مكة عن المدينة، واختلاف عبارات كل منهما، واختلاف قصصه المكي عن المدني، واختلاف الآيات في الطول والقصر والموضوعات، ونوعية القضايا التي أثارها القرآن في عهديه المكي والمدني، هذا مبحث مهم في الإعجاز، وسبب أنه نزل منجما، ليكون علاجا لقضايا آنية ومتجددة كلما حدثت، وهو ملمح مهم يجيب عن جزء مهم من سؤالنا الذي طرحناه في عنوان المقال.

كتاب هداية لا بحث علمي:

الملمح الأهم في الموضوع، أن القرآن ليس كتاب بحث علمي، أو كتاب مطالعة ومحفوظات، بل هو كتاب هداية وتربية للإنسان، ووصله بالله، وهذا هو موضوعه الأول والأخير، ولذا يفقد الإنسان هذا الملمح حين ينشغل في علاقته بالقرآن عن هذا الهدف، لأهداف أخرى، ذات أهمية نعم، لكنها حين تستغرق الإنسان تبعده عن بوصلة القرآن، فهناك من يقرأ القرآن بهدف البحث عن إعجازه العلمي أو النفسي أو التشريعي، كل هذا جميل، ولكنه يجب أن يكون وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى الذي لأجله نزل القرآن، وهو: (هدى للناس) و(هدى للمتقين) و(هدى وبشرى للمؤمنين) و(هدى وموعظة للمتقين).

وما كان من نقاش للعلماء وإسهاب في باب إعجاز القرآن، كان من باب إثبات صحة هذا الوحي في الحجاج مع غير المسلمين المجادلين في صحة هذا الدين، وصحة كتابه، وبالنسبة للمسلم، كان من باب ربطه بهذا الوحي، ومدى عظمته والوثوق به، وتجديد الإيمان به، وأنه كلما تلاه وقرأه، لن يزداد إلا إيمانا على إيمانه، وهو ما يسعى لتحقيق رسالة القرآن الكبرى وهي: هداية الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة الهداية وبمجالاتها كلها.

اختلاف مفهوم التفسير الموضوعي:

وما لاحظته من خلال استقرائي للعلماء الذين كتبوا في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، أن نظرتهم وتوجهاتهم في تناوله مختلفة، فالعرف العام في البحث العلمي في التفسير الموضوعي، هو استقراء نصوص موضوع معين في القرآن الكريم، بجمع كل ما يتعلق به من مفردات وآيات، وهذا ما انتهت إليه الدراسات العلمية الأكاديمية والمتخصصة، لكن هذا اللون من التفسير بدأ في العصر الحديث تتضح معالمه، وأول من خط مساره، هو العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، في كتابه: (النبأ العظيم)، وتبعه في ذلك من ساروا على خطاه، فقد قدم دراز سورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن، بشكل يشعر القارئ أنه يطوف في حديقة القرآن الكريم، ينتقل بين مباهجها، دون شعور بأي انقطاع عن السياق، أو الجمال، أو المسير المتناسق.

وهذا خط سار عليه جماعة من أهل التفسير، وهو تناول التفسير الموضوعي من حيث السورة نفسها، وهو ما كتبه الشيخ الغزالي -رحمه الله- في كتاب كامل عن التفسير، وجعل عنوانه: (نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم)، وسبق إلى ذلك بشكل مقدمات للسور، الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- في كتابه: (في ظلال القرآن) ففي مقدمات السور يعرض السورة عرضا عاما، من خلال ربط المقاطع والآيات ببعضها بما تمثل وحدة موضوعية للسورة.

ثم رأينا مسارا آخر في التفسير الموضوعي على غير المصطلح العام العلمي المعمول به أكاديميا، فكتب الدكتور محمد البهي تفسيرا لسور من القرآن الكريم، كان مستهدفا أن يكتب تفسيرا كاملا، لكنه توفي، ففسر عددا من السور، وجعل عنوان التفسير: (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، ولم يكن تفسيره موضوعات قرآنية، بل فسر سورا، وبدأ بالسور المكية، وبدأ بسورة الأعراف، وبيّن هدفه بأنه يقدّم القرآن ككتاب هداية وحل لمشكلات الإنسان، وصراعه مع المادية، ولذا جعل عنوانا فرعيا شارحا لكل كتاب صدر منه تحت عنوان تفسير السورة بهذا الجملة: (القرآن في مواجهة المادية)، وهو عنوان متكرر في كل كتبه التي أخرجها في التفسير، وهذا ملمح آخر للتفسير الموضوعي عند المعاصرين، ولم أجد -فيما بحثت- من تناول هذه الاختلافات عند الذين تناولوا التفسير الموضوعي للقرآن، خارج الدراسات والبحوث الأكاديمية.

ظننت حين طرحت السؤال، أن مقالا واحدا يكفي للإجابة، لكن المقال اتسع وطال، ولم نقل كل ما لدينا في الموضوع، بل هناك مساحات أخرى مهمة لم نتطرق إليها، لكن المقال استهدف الإشارة للموضوع، وإثارة شهية البحث العلمي لمزيد من البحث، ومزيد من التفكر والعطاء في جانب مهم من القرآن الكريم وإعجازه.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان