مشروع “إسرائيل الكبرى”: هل تدافع أمتنا عن وجودها؟!

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (الفرنسية)

كنت أقول لطلابي: يجب أن نستعد لتغطية أحداث خطرة ستشهدها المنطقة في المستقبل، فحاجة الأمة تشتد إلى صحفيين يتميزون بالجرأة والشجاعة، ويدركون وظيفتهم كفرسان البحث عن الحقائق وتشكيل الرأي العام.

والصحفيون الأحرار يمكن أن يقودوا كفاح أمتهم للدفاع عن حقها في الوجود والحياة والحرية، وكانت تلك الرؤية نتيجة لدراسات علمية تسهم في استشراف المستقبل، فنذر الخطر يمكن أن يراها بوضوح كل ذي لب، لذلك تقوم إسرائيل باغتيال الصحفيين الشجعان في غزة، وكان آخرهم أنس الشريف ورفاقه الشهداء الذين اغتالتهم إسرائيل في خيمة الصحفيين، وقد بلغ عدد الصحفيين الذين اغتالتهم إسرائيل في غزة 236 صحفيا، ويوضح ذلك أن إسرائيل تريد إخفاء مخططاتها الاستراتيجية التي تقوم على الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتدمير والتخريب.

غرور القوة وكشف الاستراتيجية


استخدمت العصابات الصهيونية الأسلحة المتقدمة التي حصلت عليها من الجيش البريطاني لطرد الفلسطينيين عام 1948، والاستيلاء على أرضهم وديارهم وتهجيرهم قسرا، وقامت العصابات الصهيونية بإخفاء مخططاتها وأهدافها.

لكن غرور القوة دفع نتنياهو لإعلان الهدف الذي يعمل على تحقيقه، ويرى أن الأوضاع العالمية والإقليمية تمكنه الآن من تنفيذ خطته، فأمريكا تمده بأسلحة متقدمة تكفي لإثارة الخوف والرعب في نفوس الماديين المتغربين.

لذلك أعلن نتنياهو أنه في مهمة تاريخية وروحانية، فهو يرتبط برؤية “إسرائيل الكبرى” التي تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر.

وبالرغم من أن هذه الاستراتيجية تشكل تهديدا للأمن القومي العربي وخطرا على حق الأمة العربية في الوجود، إلا أن ردود الفعل حتى الآن لا تتناسب مع خطورة التصريحات.

دراسة خطاب اليمين الإسرائيلي.. لماذا؟!


لكن هل هذه التصريحات جديدة؟! لو راجعنا خطاب اليمين الصهيوني سنكتشف وجود الكثير من المعلومات عن حلم “إسرائيل الكبرى” والتخطيط لتحقيقه، لكن الجديد هو الإعلان الرسمي لهذا الهدف، فهذا الإعلان كان نتيجة لغرور القوة، والشعور بأن هذه الفترة مناسبة لتنفيذه، ولذلك طلب نتنياهو من وسائل الإعلام الإسرائيلية تقديم تغطية إيجابية لتصريحه، وعدم توجيه أي نقد له، ولم تجرؤ أية وسيلة إعلامية على نقده.

إن الحديث حول حلم “إسرائيل الكبرى” تكرر كثيرا، وعبّر عنه رموز اليمين الصهيوني الذين يشاركون نتنياهو في الحكم، فقال سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي عام 2016 إن حدود القدس يجب أن تمتد حتى العاصمة السورية دمشق، وأن على إسرائيل الاستيلاء أيضا على الأردن.

وفي عام 2024، أكد سموتريتش على هذه الرؤية التوسعية، داعيا إلى “إسرائيل الكبرى” التي تشمل أراضي عدد من الدول العربية، وقال: «مهمة حياتي هي بناء أرض إسرائيل وإحباط إقامة دولة فلسطينية من شأنها أن تعرض دولة إسرائيل للخطر».

لكن الأخطر من ذلك أن الكاتب والسياسي الإسرائيلي آفي ليبكين قال في يناير/كانون الثاني 2024 إن حدود إسرائيل ستتمدد لتشمل مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وكتب ليبكين، الذي اشتهر بآرائه اليمينية المتطرفة، مؤلفات عدة في هذا السياق.

لكن ما وثيقة ينون؟!


هي مقال كتبه عوديد ينون، الذي كان مستشارا لإرييل شارون، في المجلة العبرية “كيفونيم” في فبراير/شباط 1982 قدّم فيه استراتيجية إسرائيل التي تقوم على تفكيك الدول العربية وتقسيمها إلى كيانات عرقية ضعيفة للسيطرة عليها.

واعتبر ينون أن العراق يشكل التحدي الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل، ولذلك دعا إلى تقسيمه إلى دولة كردية ودولتين عربيتين سنية وشيعية، وتوسيع حدود إسرائيل لتشمل أجزاء من دول عربية عدة، وإنشاء دول تابعة أو ضعيفة لضمان التفوق الإسرائيلي.

هذا يوضح أن إسرائيل الكبرى مشروع سياسي حقيقي تتبناه تيارات نافذة داخل إسرائيل، وأن الفكرة حاضرة في المشهد السياسي، وإن اختلفت درجة حضورها في الخطاب العلني والسياسات العملية تبعا لتوازنات كل مرحلة.

فمع قيام دولة الاحتلال عام 1948، اكتسب هذا الطرح بعدا عمليا، لكنه بقي محكوما بالتوازنات الدولية حتى حرب 1967، حين سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان، مما أعاد إحياء الطموحات التوسعية.

وبذلك تحوّلت “إسرائيل الكبرى” من وعد توراتي إلى مشروع سياسي تتبناه قوى نافذة داخل الدولة العبرية، يجمع بين الموروث الديني والحسابات الاستراتيجية والطموحات الجيوسياسية.

لذلك تحتاج الأمة إلى مركز دراسات يتابع كل مخططات العدو وأساليب تفكيره، ويخطط للمواجهة والكفاح، ويشكل الأساس العلمي للمضمون الذي تقدمه وسائل الإعلام وتشكيل رأي عام عربي، فهو مصدر القوة في مواجهة العدو الحقيقي، وبذلك نربط العلم بالإعلام ونستشرف المستقبل.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان