خارطة طريق لإنقاذ السويداء وسوريا

ما نشهده في سوريا اليوم من تغوّل السياسة وتداعياتها الاجتماعية لا يمكن ربطه بحضور الدين في المجال العام، ولا بسلطان قيم العدل والأخلاق بوصفها منظومة ناظمة، ولا حتى بوعي جماهيري متماسك يوجّه السلوك العام.
بل إن ما يطغى في المشهد هو منطق السياسة بمزاجيته وتقلّباته، حيث تُبنى المواقف على مقتضيات المصلحة لا على قاعدة الحقيقة أو المبادئ.
وهكذا تتحوّل السياسة إلى قوة عمياء، لا تعترف بحدود ثابتة ولا تلتزم بمرجعيات جامعة، وإنما تنحاز لما تفرضه موازين القوة واللحظة الراهنة، فتتقدّم المصالح الضيقة على القيم الكبرى، ويُهمَّش العدل لحساب المنفعة، وتُغَيَّب الأخلاق أمام صخب الحسابات السياسية.
الأخلاق التي تسود في واقعنا ليست تلك التي بشّرت بها الأديان أو خطّها الفلاسفة، بل ما يمكن أن نسميه «الأخلاق السياسية»، كما ذكر الفيلسوف والأديب المصري أحمد أمين في كتابه فيض الخاطر (الجزء العاشر)، أي الأخلاق التي تُقاس بميزان المصلحة القومية أو الفئوية وحدها، لا بميزان الإنسانية الجامعة.
عرف التاريخ هذا المنطق منذ الإغريق والرومان، حين كانت العدالة للداخل والاستباحة للخارج، بينما جاءت الرسالات السماوية لتفتح أفقا إنسانيا أوسع، قوامه أن يُعامل الإنسان أخاه الإنسان كما يحب أن يُعامل، وأن يكون معيار الفضيلة كونيا لا قبليا.
لكن التجارب الحديثة عادت لتكرّس الضيق من جديد: الخير ما ينفع الأمة والجماعة، والشر ما يضرّ بها، حتى لو كان في ذلك نفع للبشرية كلها.
ما يجري في السويداء
في هذا السياق يمكن قراءة ما يجري في السويداء، فالهتاف بالطلاق مع الدولة السورية ليس أخلاقا دينية ولا وطنية، بل هو انعكاس لأخلاق سياسية ضيقة، تحاول حماية الجماعة بمعزل عن الجماعة الوطنية الكبرى.
إنه منطق القبيلة السياسية الذي يرى في العدالة مفهوما نسبيا: إذا أغرتُ على غيري فهذا عدل، وإذا أغار عليّ فهو ظلم.
وإذا طالب أهل السويداء بالانفصال فهذا حق، أما إذا طالب غيرهم بالتمسك بالوطن فهذا عدوان.
والتاريخ يثبت أن الأخلاق الضيقة قد تمنح مكاسب سريعة لكنها تقود في المدى البعيد إلى عزلة وهشاشة، فقد دفعت القوى الكبرى ثمن أخلاقياتها القومية بحروب مدمرة، وستدفع أي جماعة محلية الثمن ذاته إذا تبنّت هذا المنطق.
إن السويداء، كغيرها من المناطق السورية، ليست كتلة واحدة ولا ينبغي تصويرها على هذا النحو.
فيها تيارات متناقضة: من تحالف مع النظام، ومن انخرط في معارضته، ومن آثر الحياد أو الانكفاء على شؤون داخلية.
ولا يصح أن تتحول أفعال شخصيات مثل عصام زهر الدين أو الهجري إلى مرآة تعكس هوية الجماعة كلها.
التعميم في هذه اللحظة ليس فقط ظلما، بل وصفة جاهزة لتمزيق ما تبقى من النسيج الوطني.
الزعم بوجود مطلب درزي عام للالتحاق بإسرائيل يندرج في خانة التبسيط المخل، وهو في جوهره تعبير عن فقدان أمان أكثر مما هو خيار سياسي جاد.
نعم، ثمّة من يلوّح بالعلاقة مع إسرائيل باعتبارها مظلة حماية، لكن الذاكرة السورية القريبة تشهد أيضا على تضحيات درزية في سبيل وحدة البلاد، وعلى صمود أهالي الجولان المحتل نصف قرن دون أن يحملوا جنسية غير السورية.
النقد ينبغي أن يكون موجها إلى الأفعال والأشخاص والتيارات، لا إلى جماعة كاملة، وإلا فإننا نعيد إنتاج منطق الأخلاق السياسية ذاته الذي ننتقده.
من هنا، يصبح لزاما أن يُقرأ المشهد في السويداء على ضوء رؤية وطنية أوسع لا على ضوء الانفعالات.
ولعل أبرز من قدّم تصورا عمليا في هذا الباب هو أحمد معاذ الخطيب الذي وضع جملة من المقترحات أقرب إلى خارطة طريق يمكن أن تنقذ سوريا من منزلق جديد.
فالحوار المباشر مع المرجعيات الاجتماعية والسياسية في السويداء هو المدخل الأول، بعيداً عن لغة الاستعلاء أو التخوين، وبعيدا عن استدعاء العقائد إلى ميدان السياسة.
الحوار يجب أن يؤسس لفكرة المواطنة المتساوية، حيث الخصوصيات الثقافية والدينية مصونة ضمن إطار الدولة، وحيث الحقوق والواجبات لا تخضع لمعايير مزدوجة.
هذه الرؤية تستلزم اعتماد لامركزية إدارية متقدمة، تمكّن أبناء السويداء من إدارة شؤونهم المحلية دون أن يُفتح الباب أمام مشاريع الفيدرالية والانفصال.
ولا معنى لأي إصلاح سياسي ما لم يقترن بخطة تنموية حقيقية، تعالج التهميش الاقتصادي المزمن عبر استثمارات في البنية التحتية وخلق فرص عمل للشباب.
بهذا وحده يمكن قطع الطريق على المشاريع الخارجية التي تجد في الإحباط والتهميش بيئة خصبة لتغذية الخطاب الانفصالي.
النفاذ للجبل
وفي قلب هذه الرؤية، يبرز التحدي الأشد خطرا: مواجهة محاولات إسرائيل النفاذ إلى الجبل.
هذه المحاولات يجب التصدي لها سياسيا وإعلاميا وقانونيا، وتوضيح أن أي ارتباط بالمشروع الصهيوني لا يملك شرعية وطنية ولا مستقبل واقعي.
ومن جهة أخرى، ينبغي توسيع نطاق التواصل مع المرجعيات الدرزية في لبنان وفلسطين والأردن لإبراز أن المصلحة التاريخية لبني معروف تكمن في البقاء داخل سوريا الموحدة، لا في الارتماء في مشاريع تقسيمية.
ولا يمكن للسويداء أو لسوريا عمومًا أن تخرج من أزمتها إلا عبر عقد اجتماعي جديد، تُشارك في صياغته كل المكونات السورية، ويقوم على العدالة والمواطنة والمساواة.
هذا العقد ينبغي أن يوازن بين المرونة والحزم: مرونة في تلبية المطالب المشروعة، وحزم في مواجهة كل مسعى للانفصال أو الارتهان للخارج.
وفي موازاة ذلك، لا بد من استراتيجية إعلامية ودبلوماسية تعكس صورة سوريا كدولة قادرة على حماية جميع أبنائها دون تمييز، وتفضح محاولات القوى الخارجية استغلال الأقليات كذريعة للتدخل.
هكذا تتحول أزمة السويداء من تهديد بالانفصال إلى فرصة لإعادة رسم المشروع السوري على أسس جديدة: حوار مباشر، مواطنة متساوية، لامركزية إدارية، تنمية اقتصادية، قطع الطريق على المشاريع الخارجية، وعقد اجتماعي جامع.
إنها فرصة لإعادة الاعتبار للأخلاق الكونية التي تجعل من العدل قيمة مشتركة لا سلعة نسبية، وتعيد السياسة إلى مكانها الصحيح: خدمة المجتمع لا تمزيقه.
بناء دولة جديدة
لقد دفع السوريون ثمنا باهظا لأن السياسة في بلدهم تأسست لعقود على أخلاق ضيقة، غلّبت مصلحة السلطة على مصلحة الشعب، وفتحت الأبواب لتدخلات خارجية بنت حساباتها على ميزان القوة لا على ميزان العدالة. واليوم، إذا تبنّت السويداء أو الحكومة المنطق ذاته، فهي تعيد إنتاج الدائرة المفرغة نفسها: الانغلاق باسم الحماية، والانعزال باسم الحقوق، والانحدار نحو الضعف والتشرذم.
الطريق إلى الخلاص لا يمر عبر الطلاق والانفصال، بل عبر بناء دولة جديدة قادرة على أن تقول لكل أبنائها: إنّ لكم مكانا كريما في وطن جامع، وإنّ أي مشروع انشطاري ليس خلاصا، بل انتحارا. وهذا هو الامتحان السوري الكبير الذي تمرّ به السويداء اليوم، ويعنيه الوطن بأسره.
رحم الله الصادق النيهوم الذي قال إن البناء من الخارج لا يكفي وحده لتحقيق المعجزة. والمرء يستطيع أن يجزم بأن كل محاولات البناء التي تتم باحتراف لإحراز التقدّم من الخارج فقط، تتسبّب في إغفال البناء الحقيقي في داخل الإنسان ومجتمعه، وتحوّله في الغالب إلى مسألة ثانوية أو إلى لعبة دولية.
والخرافة تروي أن مصباح علاء الدين السحري استطاع أن يحقق للرجل كل شيء: شيّد له القصور المرمرية، وأغرقه بالذهب والحرير، لكنه لم يستطع أن يجعل علاء الدين نفسه أكثر من صبي حلاق محدود الإمكانات. فعاد علاء الدين إلى دكان الحلاق بمجرد أن أفَل صباحه، لأن التغيير الهائل الذي وقع في حياته كان في حقيقته تغييرا خارجيا صرفا. وكل تغيير يأتي من الخارج، إذا لم يسنده بناء داخلي راسخ، فهو إلى سقوط حتمي.
