تصريح بدفن “كامب ديفيد”

لم يعد الإسرائيليون يخفون البغضاء، صاروا يكشفون عنها بمنتهى الصفاقة، يجهرون بنياتهم التهام المزيد من الأراضي العربية، لا يكتفون بالمتداول رسميًّا بشأن قضم الضفة الغربية، وتطهير غزة عرقيًّا، بل يتواقحون لدرجة أن رئيس الحكومة اليمينية؛ نتنياهو، لا يستنكف في مقابلة تلفزيونية عن القول بأنه ينفذ “مهمة مقدسة لتحقيق إسرائيل الكبرى”.
وفق الخرائط الإسرائيلية فإن “الدولة الكبرى”، أو بتعبير توراتي “مملكة اليهود الكبرى”، تشمل أجزاءً من شبه جزيرة سيناء والأردن وسوريا ولبنان، ولا بأس في الاستيلاء على ما يتاح لاحقًا.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
النهم التوسعي الصهيوني لا يتوقف ولن يتوقف، وليس سرًّا أن دولة الاحتلال هي الدولة الوحيدة على وجه الكوكب التي ليس لها خريطة رسمية معترف بها دوليًّا.
تفسير ذلك أن الباب مفتوح دائمًا، لمزيد من التمدد عبر فرض الأمر الواقع بالقوة على الأرض.
والثابت يقينًا -من قبل ومن بعد- أن نتنياهو إذ كان يتحدث عن “دوره المقدس” لم يأتِ بجديد، فكلامه يؤكد المؤكد، أو بالأحرى يمد جسرًا بين أمس إسرائيل وحاضرها.
في النسخة الأولى من مذكراته الموسومة “مكان بين الأمم”، التي صدرت عام 1993، يقول نتنياهو “انسحاب إسرائيل من سيناء أعطانا درسًا مهمًّا: الأرض التي نتخلى عنها اليوم، قد تصبح منصة تهديد ضدنا، إذا تغيرت النيات السياسية لدى من يسيطر عليها”.
وفي مذكراته الثانية التي صدرت بعنوان “بيبي.. قصة حياتي” عام 2022، عاد ليردد المعنى ذاته “الأحداث في مصر بعد الإطاحة بمبارك، أكدت أن الاستقرار ليس مضمونًا”.
كذلك يتعاطى مجرم الحرب الإسرائيلي مع حقائق الواقع، لا يستكتم أمره ولا يداهن، بل يفصح عن نوازعه العدوانية “السلام قد يغدو صراعًا، وعلينا أن نستعد”، وفق تعبيره حرفيًّا.
وهذا الاستعداد لا يتأتى قطعًا إلا بضمان تفوُّق إسرائيل عسكريًّا.
العقيدة التي أُسست عليها إسرائيل
وليس نتنياهو وحده الذي يتشدق بهذه المقولات، فجميع ساسة إسرائيل يتبنون الخطاب العدائي ذاته، ويعُدونه “عقيدة أساسية” أو قل “عقيدة تأسيسية” لدولة الاحتلال.
في ما يتعلق بسيناء، كان وزير دفاع العدو الأسبق؛ موشيه ديّان، قد قال تعليقًا عن الانسحاب منها “هي عمق استراتيجي لنا ولا ينبغي التخلي عنها”، بينما ذهب رئيس الوزراء الأسبق؛ شارون، في مذكراته إلى وصف الانسحاب بـ”الخطأ الاستراتيجي”.
الأشياء واضحة وضوح الشمس في كبد السماء.
العدو “لا يعطي من طرفِ اللسانِ حلاوةً، ويروغُ كما يروغُ الثعلبُ”، بحسب تعبير شاعرنا العربي، بل يكشف عن أطماعه بدرجة سافرة، وقد أغراه أن صانع القرار العربي ما زال يلوك “خرافة السلام”، مسترخيًا خاملًا مستكينًا كأنه “يخزّن القات” في قيلولة الظهيرة.
واللافت أن ما طرحه نتنياهو بشأن إسرائيل الكبرى، يتماهي كليًّا مع خطط صهيونية معلنة، على رؤوس الأشهاد، منذ أكثر من عقدين من الزمان، على أقل تقدير، لكن المؤسف حقًّا أن “أمة اقرأ لا تقرأ”، وإن قرأت لا تفعل.
أخطر هذه الخطط طرحها رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي الأسبق؛ غيورا آيلاند، عام 2004 في إطار ما سمّاه “فكرة تبادل الأراضي”، وتقضي بأن يلتهم الاحتلال 600 كيلومتر مربع من شمال سيناء، مقابل منح مصر أراضٍ من صحراء النقب، مع حوافز اقتصادية وسكة حديد بين غزة والعقبة.
بذلك يتسع قطاع غزة جغرافيًّا ثلاثة أضعاف، لاستيعاب المهجَّرين الفلسطينيين، ومن ثم لا تجد إسرائيل عائقًا بعدئذ أمام ضم الضفة الغربية.
في تبريره لذاك الطرح، شدَّد آيلاند الذي يُعَد من أهم الاستراتيجيين الإسرائيليين على أن إسرائيل يستحيل أن تنسحب إلى حدود 1967، مضيفًا أن “أي حل يتطلب إبداعًا جغرافيًّا، وهذه صفقة مربحة لجميع الأطراف، فتوسيع غزة في سيناء هو البديل العملي الوحيد».
تعلَّمنا من خبرات التاريخ أن ما تعلنه إسرائيل اليوم في هيئة أفكار أو أطروحات مقترحة، يمثل خارطة طريق ستسير عليها حتى تحقق مآربها.
إذا كان النهم التوسعي الإسرائيلي كالنيران كلما أُلقي فيها فوج قالت: هل من مزيد؟ فإن الإعلان عن تنفيذ الخطط التوسعية قد يؤجَّل حتى تحين الفرصة، وما من فرصة أفضل للعدو من التهافت العربي الفادح في الوقت الراهن.
أفكار صهيونية لـ”توسيع غزة”
والمثير للانتباه أن ما طرحه آيلاند تحت عنوان “فكرة”، لم يكن بعيدًا عن المستوى السياسي الإسرائيلي.
تقارير الصحف العبرية تكرر منذ عام 2014 أن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين بحثوا “أفكارًا” لتوسيع غزة، وكثيرًا ما نقلت الصحف الأمريكية عن مراسليها في الأراضي المحتلة أن نتنياهو يرى تلك الأفكار مغرية.
الأكثر من ذلك أن نتنياهو دأب على تسويق عبارة “إعادة رسم الخريطة”، للإشارة إلى حل الصراع، أو تحريًا للدقة لتصفية القضية الفلسطينية، وإن لم يشر من ذي قبل إلى سيناء بهذه الدرجة من الوضوح السافر.
منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد، لم تُبعد إسرائيل أنظارها عن سيناء، ولم تكف عن طرح “أفكار” بشأن تصفية القضية الفلسطينية عبر تغيير جغرافية شبه الجزيرة.
جاء ذلك دائمًا في إطار العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي ترتهن بمبدأ “الحدود القابلة للدفاع عنها”، وهو تعبير هلامي تستخدمه النخبة العسكرية والسياسية الصهيونية، لتسويغ السيطرة على أراضٍ جديدة خارج حدود القرارات الأممية.
صفوة القول إن خطط تغيير الخرائط تمثل جزءًا أصيلًا من عقيدة “كيان استيطاني متوحش”، وعلى ذلك فإن كلام نتنياهو يجب أن يؤخذ على أنه “إعلان حرب استباقي” أو على الأقل تلويح بالحرب، الأمر الذي يستدعي ردًّا رسميًّا من القاهرة يكبحه ويحجّّم “قلة أدبه”.
هذه مقولة ليس فيها الحد الأدنى من المبالغة أو التزيّد، وليست هتافًا شعبويًّا أجوف.
بعد أن وضعت حرب الـ12 يومًا الإسرائيلية الإيرانية أوزارها، عقد الكنيست جلسة أمنية مغلقة، لمناقشة سيناريوهات “الجبهات المحتملة”، ونقلت الصحافة العبرية تسريبات بأن أعضاء في الكنيست واستراتيجيين، اتفقوا على حتمية أن يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمالات “مواجهة مصر”.
إذا وضعنا ذلك بجوار الانتقادات الإسرائيلية لحجم تسليح الجيش المصري، فإن فسيفساء الصورة الكلية تنجلي أمام أعيننا.
نتنياهو المستغرق في خرافاته التوراتية، والمؤمن بأنه في “مهمة مقدسة”، لا يعنيه السلام ولا يؤمن به، إلا من وجهة نظر برغماتية تتوخى “تنويم الصراع” مع مصر الرسمية مؤقتًا، حتى تحين له فرصة إشعال النيران.
حديث أعلى سلطة سياسية في دولة الاحتلال عن “إسرائيل الكبرى” ليس تلميحًا بقدر كونه تصريحًا بوفاة كامب ديفيد سريريًّا، ولا يبقى بعدئذ إلا استصدار تصريح دفنها رسميًّا، وربما يكون ذلك أقرب مما نتوقع.
