لماذا تستهدف إسرائيل الصحفيين؟.. قراءة تحليلية

الزميل الشهيد أنس الشريف (الجزيرة)

في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع تفاقم المأساة الإنسانية، برز استهداف الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين كظاهرة مقلقة ومتكررة، يصعب تفسيرها على أنها مجرد «أخطاء غير مقصودة» أثناء العمليات العسكرية.

المشهد الإعلامي في غزة وسائر الأراضي المحتلة بات محفوفا بالخطر، لا سيما للصحفيين الفلسطينيين، الذين أصبحوا خط الدفاع الأخير عن الحقيقة في وجه آلة عسكرية لا تعبأ بالقوانين والمواثيق الدولية، ولا بحرمة العمل الصحفي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وفي قلب هذه المأساة، تتصدر شبكة الجزيرة المشهد، بعدما فقدت عددا من أبرز صحفييها في ضربات إسرائيلية مباشرة.

وهنا نحتاج إلى طرح أسئلة سنحاول الإجابة عنها لتفكيك المشهد، وقراءة العقيدة والممارسة والغاية: لماذا تستهدف إسرائيل الصحفيين؟ ما الذي تكشفه هذه السياسة من عقل الدولة الصهيونية؟ وهل الصمت الدولي مجرد عجز، أم جزء من تواطؤ غير معلن مع السردية الإسرائيلية؟

العقيدة الصهيونية.. الآخر كمصدر تهديد دائم

لفهم سلوك دولة الاحتلال تجاه الصحفيين، لا بد من العودة إلى الجذر العقائدي والتربوي للمجتمع الإسرائيلي والهيمنة الصهيونية عليه. فالصهيونية ليست مجرد حركة سياسية، بل مشروع أيديولوجي يُعيد إنتاج ذاته من خلال نظام تعليمي وإعلامي وأمني يعزز فكرة «التهديد الوجودي» الدائم.

هذا التهديد، كما يُروَّج له في المؤسسات الإسرائيلية، لا ينبع فقط من السلاح أو التنظيمات المسلحة، بل من الكلمة، والفكرة، والصورة، ومن كل من يملك القدرة على التأثير في الرأي العام المحلي أو العالمي.

المنظومة التربوية في دولة الاحتلال، خصوصا في المدارس التوراتية والدينية، تغذّي الأطفال منذ الصغر على شعور الاصطفاء والتفوق، وتزرع فيهم روايات تبرر الهيمنة والاستعلاء على من هم خارج «الشعب المختار».

في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفلسطيني كخصم سياسي أو إنساني، بل كمصدر تهديد وجودي دائم، وبالتالي يصبح قتله أو تحييده مبررا، سواء كان مقاتلا، أو طفلا، أو صحفيا يحمل كاميرا. وهذه النظرة لا تقف عند حدود الفلسطينيين، بل تتجاوز ذلك إلى العربي بصفة عامة.

الإعلام هدف مباشر.. أرقام تقطع الشك باليقين

منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وبحسب ما ورد نصا في تقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) حتى 12 أغسطس/آب 2025، فإن «ما لا يقل عن 192 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا كانوا من بين عشرات الآلاف الذين قتلوا في غزة والضفة الغربية وإسرائيل ولبنان منذ بدء الحرب، مما يجعلها الفترة الأكثر دموية بالنسبة للصحفيين منذ بدأت اللجنة جمع البيانات عام 1992».

وتشير اللجنة إلى أنها ما تزال تحقق في أكثر من 130 حالة إضافية من حالات القتل والاعتقال والإصابة، وكذلك الأضرار التي لحقت بمكاتب وسائل الإعلام ومنازل الصحفيين، وهي حالات يصعب توثيقها والتحقق منها وسط الظروف القائمة والدمار الشديد.

وبحسب تقارير متعددة، فقد تجاوز عدد الصحفيين الذين لقوا حتفهم 180 صحفيا، غالبيتهم من الفلسطينيين. وتُظهر التحقيقات والتقارير الحقوقية أن العديد من هؤلاء قُتلوا في ظروف تشير إلى أنهم كانوا مستهدفين بشكل مباشر، إما من خلال قصف موجه، أو عبر تتبّع مواقعهم.

اللافت أن نسبة الصحفيين الذين قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي تجاوزت ثلث مجمل ضحايا الصحافة عالميا خلال عام 2024، وهي نسبة غير مسبوقة تكشف عن نهج لا عن صدفة.

وليس خافيًا أن بعض الصحفيين المستهدفين، كأنس الشريف من شبكة الجزيرة، كانوا يحملون هوياتهم الصحفية الواضحة، ويعملون ضمن فرق إعلامية معروفة، ما يُضعف أي رواية رسمية عن وقوعهم «في مرمى نيران عشوائية».

في السياق الفلسطيني، وبخاصة في غزة، لا يُنظر إلى الصحفي كناقل للحدث فحسب، بل كجزء من المعركة.

دولة الاحتلال تدرك تمامًا أن الصورة القادمة من غزة تفضح خطابها وتكذب روايتها. ولأنها تخوض حربا إعلامية موازية للحرب العسكرية، فإن أحد أهدافها هو إسكات الكاميرا التي تُظهر الحقيقة وتمنع احتكارها للسرد.

التحكم في الصورة واستهداف قديم متجدد

تسعى إسرائيل، عبر استهداف الصحفيين، إلى تحييد من تعتبرهم «صُنّاع رواية مضادة». وهي تدرك أن صورتها الدولية تشهد انهيارا غير مسبوق، بفعل التغطية اليومية لمشاهد القتل الجماعي، وتدمير الأحياء السكنية، ودفن العائلات تحت الركام.

في هذا السياق، تتحول الصحافة إلى خطر استراتيجي. فمن خلال العدسة والقلم، تنتقل الحقيقة إلى العالم، وتُصنَع ذاكرة إنسانية تقف بوجه الرواية الرسمية التي طالما كانت سائدة في الإعلام الغربي. ولهذا السبب، لا تكتفي إسرائيل بمنع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، بل تسعى لتصفية الصوت الداخلي، عبر استهداف الصحفيين المحليين الذين يصمدون رغم الخطر، ويوثقون المذبحة لحظة بلحظة.

استهداف الصحفيين اليوم هو امتداد لنهج طويل اعتمدته إسرائيل منذ تأسيسها. فقد اغتالت على مدار تاريخها عددا من المفكرين والعلماء العرب، من يحيى المشد إلى غسان كنفاني، مرورًا بشخصيات رأت فيها تهديدا فكريا أو تقنيا لمشروعها.

الرسالة واضحة: كل من يحمل فكرا أو علما أو تأثيرا يمكن أن يُعطّل التوسع الصهيوني، فهو عدو.

هذا النهج يُفسر كيف تتحول الكلمة إلى خطر، والصحفي إلى «هدف أمني». فكما يُنظر للمقاوم حامل السلاح كخطر عسكري، يُنظر للصحفي حامل الكاميرا كخطر دعائي لا يقل تهديدا.

ما الذي يجب فعله إزاء شلل المجتمع الدولي وانحيازه العملي؟

في مقابل كل هذا، يقف المجتمع الدولي عاجزا، بل ومتناقضا. فبينما تكثر بيانات الشجب والتنديد، تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي جرائمها دون رادع. تُرتكب الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين والصحفيين على مرأى من العالم، دون أن يُفعّل أي مسار قانوني جاد لمحاسبة المسؤولين.

تتحدث الدول الغربية عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان، لكنها تُحجم عن اتخاذ أي إجراء عملي تجاه إسرائيل: لا عقوبات، لا تحقيقات دولية مستقلة، ولا حتى دعم ملموس لجهود حماية الصحفيين. وهذا الصمت يُشير إلى ازدواجية مروعة في تطبيق القانون الدولي، تُفقده هيبته ومصداقيته.

أمام هذا الواقع، تقع مسؤوليات واضحة على المجتمع الدولي. فالانتهاكات الإسرائيلية، أقلّ ما تستوجبه، أن تُفتح تحقيقات جنائية دولية شفافة ومستقلة في جميع حالات استهداف الصحفيين، مع تفعيل أدوات القانون الدولي لمنع الإفلات من العقاب.

كما يجب فرض عقوبات محددة على الجهات المتورطة في انتهاك حرية الصحافة.

ومن ناحية أخرى، لا بد من الضغط على إسرائيل للسماح بدخول الصحفيين الأجانب، وإنشاء ممرات آمنة للصحافة المحلية، ودعم المنصات الإعلامية الفلسطينية وتعزيز وصولها إلى الجمهور.

ختاما

إن استهداف الصحفيين ليس مجرد انتهاك عرضي في ساحة معركة، بل هو فعل سياسي متعمد يُراد منه حجب الحقيقة وطمس الرواية البديلة الناقلة للحقيقة.

دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تستهدف فقط أشخاصا، بل تستهدف الصورة والكلمة والذاكرة. ومن هنا، فإن حماية الصحافة ليست قضية مهنية فحسب، بل قضية إنسانية وأخلاقية ترتبط بجوهر العدالة.

إن تخاذل المجتمع الدولي عن التحرك لحماية حُرّاس الحقيقة من الصحفيين والإعلاميين وغيرهم، هو إعلانٌ لموت الحقيقة تحت ركام النفاق الدولي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان