غزة واليابانيون وصديقي ناجاساوا

في أغسطس/آب 2025، تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومقاطع فيديو من العاصمة اليابانية طوكيو لما يُعد أكبر مظاهرة تضامن مع غزة وفلسطين، وصادف ذلك أنها سبقت بأربعة أيام فقط الذكرى السنوية الثمانين لضرب الولايات المتحدة لهيروشيما بالقنبلة النووية في السادس من هذا الشهر.
لم يمر يومان على المظاهرة الكبرى قرب السفارتين الأمريكية والإسرائيلية ووزارة الخارجية، إلا وتقدَّم 179 نائبًا بالبرلمان بمجلسيه (الدايت الوطني) من إجمالي 722 بمذكرة للحكومة تطلب موقفًا رسميًّا أقوى لوقف الإبادة في غزة، ومن بين مقدميها وزير الخارجية السابق النائب تارو كونو من قادة الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، وذلك وفق مراسل لوموند الفرنسية بطوكيو فيليب سيسمر، في مقال منشور في موقعها الإلكتروني بالإنجليزية بتاريخ 12 أغسطس بعنوان «السؤال الحساس عن الاعتراف بفلسطين».
وتضمنت المذكرة مطالبة حكومة إيشيبا بأن تتقدم دول مجموعة السبع الصناعية في الاعتراف بدولة فلسطين، مع إشارة إلى كون اليابان هي الوحيدة بين دول المجموعة الخالية من أغلبية مسيحية، في إشارة إلى تأثير الأفكار الصهيونية والأساطير المؤسسة لإسرائيل على قطاعات من المسيحيين.
وهذا تمامًا ما أبلغني به صديقي المستعرب الياباني المخضرم إيجي ناجاساوا، عندما عاد إلى القاهرة فتجدَّدت قبل أيام لقاءاتنا، التي بدأت منذ 1981، حين بدأ يتردد عليها لجمع مادة أرشيفية وشهادات حية لدراسته الأكاديمية عن اليسار المصري والقضية الفلسطينية، ثم بترجماته ودراساته في الاجتماع السياسي عن سيد عويس وجمال حمدان وآخرين حفروا في تاريخ الثقافة المصرية العربية.
مكالمة ناجاساوا
بعد أيام معدودة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تلقيت اتصالًا من ناجاساوا من طوكيو في الصباح الباكر، وجاء صوته حادًّا مرهقًا، وهو يُبلغني بتوجهه مع مجموعة من زملائه علماء الاستعراب الياباني لمقابلة مدير وزارة الخارجية ببلاده.
وسألني: ماذا يمكن لأكاديميين يابانيين متخصصين ومتضامنين مع الشعب الفلسطيني والقضايا العربية، كحاله، أن يفعلوا عمليًّا من أجل البشر في غزة؟ فأربكني البحث عن إجابة، لأننا في هذه المنطقة المنكوبة بغلبة المشاعر والعواطف والكلمات على التفكير والتخطيط والأفعال، مع طول قيود وممنوعات الاستبداد وقسوته، عاجزون ولا نملك أو نجرؤ إلا على «طق الحنك»، والإعلانات عن مبادرات لا تتحقق، والتواطؤ على تغطيتها بالصمت عمَّن أجهضها وقمعها.
بين المكالمة ولقائي الأخير معه، كان ناجاساوا من بين مجموعة بدأت بـ16 مستعربًا يابانيًّا، وبينهم أصحاب مكانة علمية رفيعة مقدَّرة ينشرون بالإنجليزية والفرنسية إلى جانب لغتهم القومية، أصدروا أربع مناشدات بشأن غزة لحكومة بلادهم بين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 يونيو/حزيران 2025.
وبعدما طالعتها، وبخاصة ما وفره مشكورًا صديقي مترجمًا نصوصها بالكامل إلى اللغة الإنجليزية، استنتجت توجهًا واضحًا للدعوة لعلاج جذور 7 أكتوبر وما بعده ممثلة في الاحتلال العنصري الاستيطاني والتوسعية الإسرائيلية وحتى إلى خارج فلسطين، والانتقال مع البيان الثاني 7 نوفمبر 2023 إلى مطالبة الحكومة والبرلمان بحرمان تل أبيب من أي تعاون يسهم في تعزيز قوتها العسكرية وفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية عليها.
ولفتني استدعاء المناشدة الثانية تهديد الحكومة اليابانية لتل أبيب مع حرب أكتوبر 1973 وعقبها في عهد رئيس الوزراء تاناكا، وكان من ذات الحزب الحاكم حاليًّا، بإعادة النظر في سياسة طوكيو، إذا لم تلتزم بالقانون وقرارات المجتمع الدولي، وتنسحب من الأراضي المحتلة، مع نص بأن «الوضع الحالي أكثر خطورة من 73».
ويُلاحظ أيضًا في خطاب المستعربين اليابانيين المحترمين الانتقال سريعًا إلى إدانة الدعم الأمريكي للإبادة والتوسعية الإسرائيلية، مع إطلاق التحذيرات المتتالية من أن إسرائيل و«شرق أوسط نتنياهو» يهددان سلام واستقرار المنطقة والعالم بالانزلاق نحو دمار يتخطى الحدود الجغرافية السياسية للصراع العربي الصهيوني.
1973 الذي لم يكتمل
في لقائي الأخير مع ناجاساوا، التقدمي الناقد لتبعية النخبة اليابانية الحاكمة والمتنفذة منذ 1945 للاستراتيجية والمواقف الأمريكية كونيا وبالمنطقة، تحدث عن تناقضات السياسة الخارجية في بلاده، وقال إنها تقوم على ثلاثة مبادئ لا تتسق معًا هي: التحالف الوثيق والأهم مع واشنطن، والسلام، واحترام قرارات الأمم المتحدة.
وضرب مثلًا بأن الحكومة اليابانية تواصل تمويل الأونروا على خلاف الموقف الأمريكي المناهض، كما أن مدير دائرة الصحة بالمنظمة الأممية الدكتور سيتا أكيهيرو ياباني، لكن هذه الحكومة والنخب، ومعهما وسائل الإعلام الكبرى المملوكة للدولة، ما زالت عاجزة عن إحداث تغيير اتجاه القضية الفلسطينية بمستوى الأحداث الجسام بعد 7 أكتوبر، وإعلان تميزها بوضوح عن السياسة الاستعمارية الأمريكية في مواصلة الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لتل أبيب.
لكن حينها تأملت كون المصريين والعرب بالمجمل والأصل، أهدروا فرص هذا التحول في سياسة طوكيو وبين نخبها المؤثرة على القرار، جراء أزمة دخلت كل بيت ومحطة بنزين ومصنع ووحدة إنتاج بفعل تخفيض إنتاج النفط ومنعه عن الدول المؤيدة لإسرائيل.
وهكذا أحجموا عن دعم التوجه المستقل عند السلطات والرأي العام والمواطن العادي انطلاقًا من 73، وإن كان إشعاع هذا العام دفع جامعات وشركات يابانية كبرى نحو دراسات الشرق الأوسط والعالم العربي، ليولد جيل جديد مهم من المستعربين، من بينهم ناجاساوا وآخرون، ظهرت أسماؤهم في مناشدات غزة.
يمكنها أن تقول لا
مع بواكير التسعينيات، أصدرت هيئة الاستعلامات المصرية ترجمة عربية لكتاب «اليابان يمكنها أن تقول لا» لعمدة طوكيو إيشيهارا ورئيس مجلس إدارة شركة سوني موريتا، الذي يدعو إلى استقلالية القرار والسياسة عن واشنطن، استنادًا إلى إسهام الصناعة اليابانية في الإنجاز العسكري الأمريكي الغربي الحاسم ضد صدام حسين في حرب 1991، وذلك بتزويد الصواريخ البعيدة المدى بـ«أشباه الموصلات» المتطورة تكنولوجيًّا، على نحو يحقق دقة الإصابة من مسافات لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل.
الحقيقة أن اليابان من أكثر المجتمعات مواتاة لتغيرات إيجابية لصالح قضيانا العادلة، فهي لم تعرف إلى اليوم منظمة لوبي صهيوني على أي نحو، وبالطبع لا «أيباك» يابانية على غرار تلك الأمريكية الواسعة النفوذ، وفي المقابل تأسست منظمة «بي دي أس» اليابانية في 2005، وتطورت جهودها على الأرض لمقاطعة إسرائيل والتعبئة للمظاهرات الجماهيرية في طوكيو وأوساكا، تفاعلًا مع حدث 7 أكتوبر الكبير وما تلاه.
بل كما يؤكد ناجاساوا في لقائنا، لا تاريخ للحركة الصهيونية باليابان وبين المؤمنين البوذيين هناك، فقط دائمًا هي «التبعية لواشنطن»، وضعف السياسات العربية في التأثير في صانع القرار بطوكيو، وتعطيل إمكانيات التأثير.
الأنكى أن نقرأ ونستمع إلى تقارير تنقل عن دبلوماسيين يابانيين تفيد قيام زملاء عرب بتحريضهم على المقاومة، والتصويت في المحافل الدولية ضد حقوق الشعب الفلسطيني ولصالح الصهيونية.
لا تستهينوا بعمق التحولات الجارية بفعل المقاومة والمزيد من انكشاف حقيقة الصهيونية ودور المجتمع المدني والحراك في الفضاءات العامة.
لا تستهينوا بقدرة الناس على التأثير والتغيير، وإن كان وئيدًا. ولم يعد الأمر يتوقف عند أنباء تتوالى باحتجاز مجرمي حرب بالجيش الإسرائيلي لدى وصولهم إلى هذه الدولة أو تلك، وإن لم تُصدّقوا فراجعوا بداية هذا المقال.
