مملكة إسرائيل الكبرى.. ووهم نتنياهو التوراتي المُقدس

نتنياهو (رويترز)

يوافق يوم الخميس المُقبل ذكرى مرور 56 عامًا على جريمة إحراق الجناح الشرقي من المسجد الأقصى (21 /8/ 1969م). استيقظ مسلمو العالم، في هذا اليوم، على أنباء حريق ضخم شب في الجناح الشرقي بالمسجد الأقصى. الجريمة أقدم عليها إرهابي أسترالي الجنسية، يُدعى دينيس مايكل روهان (1941-1995)، اقتحم المسجد وأشعل النار عمدًا، فطالت الواجهات، والمصلى القبلي، والسقف والزخارف، ومنبر صلاح الدين، ومسجد عمر بن الخطاب، ومحراب النبي زكريا الذي كانت تزوره السيدة مريم عليهما السلام، وغيرها من المعالم.

استطاع الفلسطينيون السيطرة على الحريق بينما تعمدت سلطات الاحتلال تعطيل جهود الإطفاء. وتبين أن السلطات قطعت المياه في ذلك اليوم عن المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى، بما يشي بأن الجريمة تمت بالتنسيق معها، لا سيما أن الإرهابي الأسترالي قام بمحاولة فاشلة لإحراق المسجد المُبارك قبل عشرة أيام من ارتكابه لجريمته الشنعاء.

خيبر.. وأجداد غولدا مائير


من أخطر الشخصيات في تاريخ إسرائيل غولدا مائير (1898-1978م)، التي تولت رئاسة الوزراء (1969-1974). سُئلت عن أسوأ وأسعد أيام حياتها، فأجابت بأنها لم تنم ليلتها يوم إحراق المسجد الأقصى، لخشيتها من دخول العرب والمسلمين إلى إسرائيل من كل حدب وصوب، ثم استدركت بأن اليوم التالي كان أسعد أيامها، فمع شروق الشمس تبين لها أنهم لم يحركوا ساكنًا، وأن باستطاعة إسرائيل أن تفعل أي شيء تريده. فكما هي العادة، توالت بيانات الشجب والاستنكار العربية للجريمة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وللإنصاف، فصياغة هذه البيانات تميزت وقتها بلهجة قوية، وعبارات رنانة، ومفردات نارية.. لكن الأمر كله لم يتعدَّ الكلام دون أي ردّ عملي، اللهم إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لإدانة الجريمة، وهو ما لا يقدم ولا يؤخر.

مائير ذاتها وقفت ذات مرة عام 1968 على شاطئ أم الرشراش، وجالت ببصرها يمينًا ويسارًا وبعيدًا، قائلة إنها تشم رائحة أجدادها في خيبر. بما يؤشر لطموحها بتمدد الاحتلال من حيث تقف وحتى خيبر، وما بينهما من أراضٍ عربية. ولم تتخطَّ الردود العربية الاستنكار.

التوراة وأكذوبة “مملكة إسرائيل من النيل إلى الفرات”


ما أشبه الليلة بالبارحة؟ فقد زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (12 /8/ 2025) أنه في مهمة تاريخية وروحية لتحقيق وعد التوراة (أقدس كتب اليهود)، بدولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، وتشمل مساحات واسعة من أراضٍ مصرية وأردنية وسورية ولبنانية، مُحلِّقًا بنفسه ومرتفعًا إلى مراتب الأنبياء والرسل، المُكلفين بـ”رسالة مقدسة”.

الرسالة هنا هي تحقيق الحلم أو الوهم التوراتي المقدس المُسمى “أرض الميعاد”. فماذا كان الرد العربي؟ مجرد بيانات مكتوبة بلغة دبلوماسية لتكون مجرد كلمات أيضًا، دون إجراءات عملية، ولو طرد سفراء الكيان من الدول العربية المُطبِّعة، وسحب نظرائهم، وقطع العلاقات الاقتصادية مع الكيان.

وعلى ذكر الحلم التوراتي، وبحسب الكاتب والباحث العراقي فاضل الربيعي، فإن التوراة ذاتها تدحض أكذوبة “من النيل إلى الفرات”. ويتلخص ما توصل إليه بأن النص العبري من التوراة عن “وعد إلهي”، بأن الله يهب النبي إبراهيم أرضًا تمتد من “النهر إلى النهر الكبير”. لافتًا إلى أنه لا توجد في هذا النص أي إشارة إلى نهر النيل أو الفرات، فهي مزاعم لا أساس لها، يستحيل تصديقها، ونتج عنها تخيل مملكة إسرائيل على أنها تمتد من النيل المصري إلى الفرات العراقي.

البلطجة الإسرائيلية في لبنان..

و4000 خرق لوقف إطلاق النار


إذن؛ لم لا يتجرأ نتنياهو بهذه المزاعم، وهو يشن حرب إبادة على أكثر من مليوني فلسطيني في غزة منذ عامين إلا قليلًا دون موقف عملي حاسم عربي وإسلامي يوقف جنونه؟ لم لا، وقد توسع احتلالًا لمناطق عديدة في سوريا، حتى إن قواته صارت قريبة من العاصمة دمشق.. مستغلًا تبعات سقوط نظام بشار الأسد، وحلول حكومة جديدة منشغلة في المشكلات الناجمة عن سقوط النظام؟ بل واستغلت إسرائيل هذه الظروف لضرب وتدمير قواعد وأسلحة الجيش السوري، وإشعال الفتنة بين الدروز والدولة السورية دون رادع.

لم لا يتبجح بهذه التصريحات التي تنال من سيادة أربع دول عربية، وهو يحتل مناطق بجنوب لبنان.. بينما الجيش اللبناني بلا حول ولا قوة، فلا يملك تسليحًا، ولا يسمح له بالتسلح؟ والأنكى أنه اخترق اتفاق وقف إطلاق النار (27 /11/ 2024)، بخروقات تجاوزت أربعة آلاف خرق، أسفرت عن استشهاد 220 لبنانيًّا وإصابة 600 آخرين. بين هذه الخروقات 600 غارة جوية، وفقًا لما أعلنه أيال زامير رئيس أركان جيش الاحتلال قبل يومين، وهو بين قواته المتمركزة في الجنوب.

كرة اللهب الأمريكية لإشعال حرب أهلية لبنانية


لم لا، وبدلًا من أن تردعه الإدارة الأمريكية، فإنها، بالوكالة عن الكيان الصهيوني، ألقت بكرة لهب في الساحة اللبنانية لإشعال حرب أهلية. أعني ورقة المبعوث الأمريكي توم باراك، لنزع السلاح الوحيد المُتاح عن لبنان (سلاح حزب الله).. لتسرع الحكومة اللبنانية إلى الامتثال، والشروع في التنفيذ.

العرب اصطفوا داعمين للمطلب الأمريكي.. ربما بدوافع مذهبية مقيتة، وحسابات قصيرة النظر، لتصبح أبواب لبنان مُشرعة على مصراعيها للبلطجة والعربدة الإسرائيلية بلا أي مقاومة أو جيش قادر على حمايته.

تناسينا جميعًا أن إسرائيل قامت بالعدوان على لبنان عامي 1978 (احتلال الجنوب حتى نهر الليطاني)، و1982 (احتلال بيروت) قبل ميلاد حزب الله بسنوات.

فالحزب وُلد للمقاومة ردًّا على الاحتلال، وليس هو الفعل. لم لا يستثمر نتنياهو حالة العراق الذي يئن من الانقسامات السياسية والطائفية ولا يزال تحت الوصاية الأمريكية، لصالح إسرائيل التي بدورها تخترق بطائراتها الأجواء العراقية لتضرب إيران؟

أخشى أن نتنياهو يُلقي في الوعي العربي أن الكيان الصهيوني لن يتنازل عن مملكة إسرائيل الكبرى المنسوبة زورًا وبهتانًا إلى التوراة.

فهو بالون اختبار للردّ في ظل حالة التردي والتشرذم العربي، فألغى في ثوانٍ وكلمات قليلة سيادة أربع دول عربية دون أن يهتز له جفن. فماذا نحن فاعلون؟ متى يفيق العرب من سباتهم؟ بيانات الإدانة والشجب والاستنكار لا تعني شيئًا ذا بال.. كفوا عنها، فالأفعال أصدق أنباءً من الأقوال.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان