صنع الله إبراهيم.. استدعاء قائمة الذين رفضوا!

الأديب والكاتب الكبير صنع الله إبراهيم (وسائل التواصل)
الأديب والكاتب الكبير صنع الله إبراهيم (وسائل التواصل)

لم يكن الأديب المحسوب على تيار اليسار سباقًا وحيدًا في رفض الجوائز، ففي القائمة كثيرون قبله، بينهم أدباء وفلاسفة وسياسيون وفنانون ورياضيون حول العالم، لكن صنع الله إبراهيم كان رائدًا في إخراج مشهد الرفض الذي سيطر على الساحة الثقافية والأدبية في العالم العربي قبل اثنين وعشرين عامًا، وكذلك قبل أسبوع عندما غيّبه الموت في الثالث عشر من أغسطس/آب الجاري عن ثمانية وثمانين عامًا.
سيتركز في ركن مضيء من تاريخ الثقافة العربية مشهد رفض صنع الله إبراهيم للجائزة الكبرى في ختام ملتقى القاهرة للرواية العربية الذي عُقد عام 2003 في دار الأوبرا بوسط العاصمة المصرية، قريبًا من نهر النيل وبرج القاهرة.

ارتسمت تفاصيل المشهد في رأس “صنع الله” أمام حشد من المثقفين والصحفيين، وأمام فنان تشكيلي هو أحد أطول السياسيين بقاءً في مقعد الوزارة خلال عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي حكم بين عامي 1981 و2011، وتحت أضواء وعدسات عشرات من المصورين، تهادى المحتفى به ليصعد إلى خشبة المسرح الكبير.

حظيرة المثقفين


صافح الأديب الفائز صنع الله إبراهيم ببرود وترقّب الفنان فاروق حسني، الذي تولى وزارة الثقافة بين عامي 1987 و2011، وبدا أن الأديب الذي سُجن في عهد عبد الناصر نهاية خمسينيات القرن العشرين، بين عامي 1959 و1961، في طريقه لدخول “حظيرة المثقفين” التي حرص رجال مبارك على رعايتها بالمؤتمرات والمهرجانات والاحتفالات والجوائز والتكريمات، رافعة شعار مثل شعبي سيّار يقول: «أطعم الفم تستحي العين».
كانت الجائزة عبارة عن شهادة تقدير وتمثال برونزي وجائزة مقدارها مئة ألف جنيه.
وفق بيانات البنك المركزي المصري، فإن سعر صرف الجنيه خلال عام 2003 قد تراوح بين 4.82 و6.25، وهذا معناه أن الجائزة تتراوح قيمتها وقتها بين 16 و21 ألف دولار أمريكي. وهذا معناه أيضًا أن قيمتها بمتوسط سعر الصرف هذا العام تتراوح بين ثمانمئة ألف ومليون جنيه.

سيناريو الرفض


سافر “إبراهيم” مطلع سبعينيات القرن العشرين لدراسة السيناريو في معهد موسكو للسينما بعاصمة الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًّا). وقد أعد سيناريو الرفض الذي قرره عقب تلقيه خبر الفوز بالجائزة. وكان تفكيره الأولي أن يرفض الجائزة مباشرة، لكنه مستعينًا بدراسته قرر الوصول إلى ذروة الإثارة على المسرح وأمام الكاميرات في حضرة السلطة وفي رحابها وملعبها، ليفسد عليها مظاهرة حشد المثقفين في كنفها، ويجعل مسؤولًا ما ـأو أكثرـ يعض أصابع الندم على فكرة ترشيح صنع الله إبراهيم للجائزة.

وقف المترجم الذي تلقى قبل يومين فقط من الاحتفال الختامي بمؤتمر الرواية العربية خبر فوزه، ونحّى جانبًا صك القيمة المالية للجائزة وتمثالها وشهادتها، وأخرج ورقة مطوية تتضمن رسالته التي عزم أن يلقيها في وجه النظام ممثلًا في وزير الثقافة، وهو يعلم أن أصداء رسالته ستخرج من المسرح الكبير بدار الأوبرا إلى الوطن الكبير، وإلى المثقفين حول العالم.

شهادة الرفض


مثل موسى حين ألقى عصاه لتلقف ما صنعوا، باغت الروائي الفذ الحضور برفض الجائزة، معبرًا بكلمات حادة كالسيف، مدببة كالرمح، وقاطعة مثل السكين، تشير بأصابع الاتهام لا إلى وزير أو رئيس، ولكن إلى النظام كله، دون استثناء.
قدم صنع الله إبراهيم أسبابه التي تطعن النظام في مقتل، فقد صدّر أسباب رفضه للجائزة: «لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد».
ورغم أن رفض صنع الله كان في 2003، فإن ما ذكره عن القضية الفلسطينية ما زال صالحًا للنشر صباح يومنا هذا في عامنا هذا، حيث قال: «في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرّد الآلاف، وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بُعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأميركي حيًّا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيًّا».

صندوق الأكاذيب


نفي العروبة عن الوطن كانت عبارة قاسية وموجعة، لكن الأديب الذي قرر الإدانة وتلا أحكامه لم يكتفِ، بل وزع اتهامات حقيقية عن تفشي الفساد والنهب والضرب والتعذيب وضياع الزراعة والصناعة والتعليم والصحة، مقررًا أنه: «لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب».
وفي خطاب نابع من أركان الضمير، أجمل صنع الله إبراهيم موقفه: «وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته».

أمسك الوزير فاروق حسني بالميكروفون ليلملم شتات الموقف طالبًا الهدوء، ومعتبرًا أن ديمقراطية النظام هي التي سمحت لصنع الله إبراهيم أن يقف هنا ويتحدث بحرية.

إنهم يصفقون


اللقطة الأكثر إثارة في مشهد الرفض هو قيام رئيس وأعضاء لجنة التحكيم بتصفيق هستيري بعد إعلان الأديب العجوز ذو الشعر الأبيض اعتذاره عن عدم قبول الجائزة التي اتفقوا جميعًا على منحها له وسط أسماء رنانة ومعتبرة في عالم الأدب العربي.
كان مشهدًا غرائبيًّا.. لجنة يترأسها الأديب السوداني الأشهر الطيب صالح، يقرر أعضاؤها منح الجائزة لمرشح، ثم تلتهب أكفهم من التصفيق عندما يعلن عدم قبول الجائزة. هل صفقوا له لأنه فعل ما لم يقدروا عليه؟ أو لأنه كان نائبًا يمثلهم بحق كمثقفين لدى السلطة؟

الرافضون


هناك عدد من الأدباء والمشاهير في العالم كانت لديهم أسباب متنوعة للاعتذار عن عدم قبول جائزة أو تكريم، لعل أشهرهم الأديب الأيرلندي جورج برنارد شو، الذي كان أول من رفض جائزة نوبل للآداب عام 1925، حيث اعتبرها أقل منه، وأنه لم يعد ينتظرها، والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي استخف عام 1964 بجائزة نوبل أيضًا واعتبرها تمثيلية وتكريمًا مصطنعًا يُستغل لأهداف سياسية.
عربيًّا، رفض المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري عدة تكريمات من بلاده ودول عربية في هدوء، دون ضجيج في إعلان الرفض أو أسبابه، وبتواضع هو سمة شخصية فيه.
في الفن، رفض النجم الأمريكي مارلون براندو تسلّم جائزة أوسكار أحسن ممثل عام 1973 احتجاجًا على الصورة التي ترسمها استوديوهات هوليوود للسكان الأصليين (الهنود الحمر)، وأرسل ممثلة منهم لتسلم الجائزة وتلاوة بيان بالنيابة عنه.

أين يقف صنع الله؟


أشهر الرافضين للجوائز حول العالم لم يذهبوا إلى أماكن الاحتفال بل رفضوا بعد الإعلان دون ترتيب لحضورهم، مثل برنارد شو، وسارتر. وهناك من فضل إيفاد من يحمل رسالة الرفض مثل براندو، وهناك من اختار الرفض والصمت معًا.
لكن صنع الله إبراهيم أطلّ من رأس القائمة عندما اختار الرفض والصراخ في وجه من يرى أنه يستحق الإدانة، ووجه لطمة برسالة قوية جعلت جسده الضئيل يتعملق على مسرح دار الأوبرا، في ذلك المساء البعيد من عام 2003، الذي ما زالت أصداؤه تتردد مخلِّدةً موقفًا نادرًا في العلاقة الشائكة بين المثقف والسلطة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان