من ألاسكا إلى غزة: قراءة في معايير القوى العظمى

(1) الكلمة في مواجهة الرصاصة
انقطعتُ عن الكتابة لأكثر من شهر. نعيشُ فترةً عصيبةً تتصارع فيها القوى العظمى على ثروات العالم والنفوذ والأسواق والأوطان، بينما يدفع الضعفاء الثمن مضاعفًا من أمنهم واستقرارهم وحياتهم. في مثل هذا الزمن، تصبح الكتابة عبئًا ثقيلًا على الروح، خاصة حينما تكون محاصرًا بالرقابة، شاعرًا بالعجز والقهر.
الأخبار اليومية عن حرب الإبادة في غزة تتحول إلى كابوسٍ دائم يلتهم أي محاولة للتعبير، ويزيد الأمرَ سوءًا استهدافُ الصحفيين بشكلٍ منهجي على يد جيش الاحتلال الصهيوني. ماذا أكتب؟ ولمن؟ العالم أعمى… والأقنعة تتساقط يوميًّا لتبدو الوجوه على حقيقتها: مسوخًا مجردة من المشاعر والإنسانية. الجميع يركع أمام أرباب القوة، بينما يُحاصَر جيش الحق ويلاحقه الموت أينما ذهب.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كل ما سمعناه عن قدسية الكلمة وقوة الصورة وإرادة الشعوب وقيمة الديمقراطية، وكل ما تعلمناه عن العدل والمساواة والدفاع عن الحقوق والتضحية من أجلها… كل هذا وأكثر دُفن تحت أكوام الركام في غزة، وتحت جثامين الشهداء الذين توقف العالم عن عدّهم، فكل ساعة تمر تحمل رقمًا جديدًا يضاف إلى مجزرة العالم شاهد عليها.
ظللتُ أيامًا طويلة أتابع بلهفة الأنباء علّي أجد ذكرًا لقرار دولي ملزم يفرض على إسرائيل وقف إطلاق النار، ويجبرها على إدخال المساعدات بكميات تملأ البطون الخاوية، لكن الانتظار كان بلا جدوى. العالم مشغول بلقاءٍ آخر.
(2) لقاء الأنداد: عندما يحترم الأقوياء بعضهم بعضًا
انشغل العالم بملحمة “لقاء السحاب” بين ترامب وبوتين في ألاسكا. هناك، تعامل سيد البيت الأبيض مع قيصر روسيا بندّية كاملة. لم نشاهد إيماءات ترامبية توحي بالاحتواء أو الاستعلاء، كما حدث مع زيلينسكي عند استقباله في البيت الأبيض، حين سار ترامب بجواره واضعًا يده على كتفه وكأنه يمنّ عليه بحمايته. في ألاسكا، لم نسمع تعليقًا ساخرًا أو تصريحًا يشي بنرجسية ترامب وغطرسته المعتادة؛ بل سمعنا إشادة وترحيبًا تليق بزعيم يعرف قدره.
الفرق شاسع بين من جاء واثق الخطى يمشي ملكًا، وبين من جاء متكئًا على حلفائه من القادة الأوروبيين، الذين ضاق بهم المكتب البيضاوي فظهروا في الصور وكأنهم مجموعة من التلاميذ في حضرة أستاذهم!
لم يسقط النظام في روسيا كما توقعت أوروبا نتيجة للحصار الاقتصادي والعقوبات، ولم يشعر المواطن الروسي بالعوز أو الرغبة في الانقلاب على بوتين الذي زج بهم في حرب لا يعرفون نهايتها، لأنهم واثقون من قرار رئيسهم، مؤيدون لأهدافه المعلنة، مدافعون عن روايته.
مع بداية الغزو الروسي، راهن أحد الأصدقاء، وهو يعيش في أوروبا، على سقوط نظام بوتين مع نهاية عام 2022، معللًا ذلك بأنه “دكتاتور”. وطبقًا لرؤيته المستقبلية، فإن النظم الاستبدادية لا يمكن أن تهزم الديمقراطيات الغربية! كان يتحدث عن الديمقراطية الغربية وكأنها رسالة سماوية، يشملها الرب بعنايته الأبدية.
لكن مع بدء “طوفان الأقصى” وحتى يومنا هذا، تبين للعالم خداع الغرب ونفاقه. وظهر جليًا أن حديثه عن حقوق الإنسان والمساواة وحرية التعبير ليس سوى لافتات براقة تُستخدم للهيمنة على العالم والتدخل في شؤون الدول “المارقة” من وجهة نظره، وفرض عقوبات عليها تحت غطاء أخلاقي زائف يخدعون به السذّج. كما اتضح أن المنظمات الأممية شاهد لا قيمة لشهادته، وأن القانون الدولي لا يسري إلا على الضعفاء.
(3) أمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط: معياران مختلفان
ذهب زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفنلندا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، والأمين العام لحلف الناتو، جميعًا إلى واشنطن دعمًا للرئيس الأوكراني زيلينسكي، الذي اجتمع به الرئيس الأمريكي قبيل اجتماعه بهم. لقد أرادوا التأكيد على أن الحفاظ على أمن أوروبا خط أحمر، لا يجوز للولايات المتحدة المساس به أو التهاون فيه. لكن اللافت كان حرص جميع هؤلاء القادة على اختيار كلماتهم بعناية فائقة عند مخاطبة سيد البيت الأبيض، مقدمين المدح لسياساته وتوجهه نحو إقرار السلام، رغم أنهم جميعًا كانوا يفضلون إعلان هدنة فورية.
المشاهد العربي تابع لقاء ألاسكا ثم لقاءات البيت الأبيض، ليتأكد من حقيقة مروعة: أن وقف الحروب ممكن، ما دامت هناك إرادة سياسية حقيقية. فلماذا، إذن، لا تتوقف الحرب في غزة؟ لماذا تستمر رغم جهود الوسطاء العرب، وتنديد كل الزعماء العرب بحرب الإبادة الشاملة التي ينفذها جيش الاحتلال ضد أهل غزة؟!
الجواب بسيط ومُرّ: لأن الإرادة السياسية الغربية، بقيادة أمريكا، معطلةٌ عمدًا حين يتعلق الأمر بفلسطين. العالم كله يعرف أن تحقيق الاستقرار والتنمية الحقيقية في الشرق الأوسط مشروط بحل القضية الفلسطينية حلًّا عادلًا. لكن هذا الحل يتعارض مع المصالح الإسرائيلية الغربية ومخاوف عربية غير معلنة، أبرزها المخاوف من وجود سلاح في يد فصائل المقاومة المدعومة إيرانيًّا.
ورغم تراجع النفوذ الإيراني مؤخرًا، فإن هذه المخاوف ما زالت حاضرة في الغرف المغلقة. ويجب على قادة العرب، المعنيين بهذه القضية بحكم الجغرافيا والتاريخ والدور والمكانة، مناقشتها بصراحة وجرأة، بحضور ممثلين عن فصائل المقاومة الفلسطينية وإيران وتركيا، باعتبارهما طرفين منخرطين بعمق في صراعات المنطقة ولهما نفوذ لا يمكن تجاهله.
(4) الزعماء العرب ومواجهة الواقع
على القادة العرب مواجهة الواقع كما فعل الزعماء الأوروبيون. عليهم أن يدركوا أن تحقيق مصالح دولهم يتضمن منظومة إقليمية أكبر، تفيدهم ولا تنتقص من مكانتهم أو تتعارض مع مصالحهم الوطنية. لن يتحقق استقرار حقيقي ودائم في الشرق الأوسط، دون كبح جماح إسرائيل والحد من نفوذها المتزايد، ووقف محاولاتها الدؤوبة للتوسع والتمدد على الأراضي المحتلة وعلى حساب دول الجوار العربية.
وكما يطالب الزعماء الأوروبيون بضمانات أمنية لحماية أوطانهم من اعتداء روسي مستقبلي، يجب على الزعماء العرب أن يطلبوا الطلب نفسه من أمريكا. على واشنطن أن تكون الضامن لعدم تعدي إسرائيل على أي دولة عربية مستقبلًا. وعليها، كخطوة فورية، الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية والسورية، ووقف الحرب في غزة الآن، وبدء حوار جاد وحقيقي حول حل الدولتين.
أتمنى حقًّا أن أشهد يومًا جمعًا من القادة العرب، واقفين في البيت الأبيض، يتفاوضون بصلابة وحكمة، بالنيابة عن غزة وأهل فلسطين جميعًا. ولكن هذا المشهد لن يكون ذا معنى إلا إذا جاء بعد أن يتم هؤلاء القادة حوارهم حول مستقبلهم ومصير قضيتهم، بكل صدق ووضوح وأمانة. لدى العرب أدوات تأثير كبيرة، اقتصادية وسياسية واستراتيجية، لكنهم لا يحسنون استعمالها، وقد حان الوقت لاستخدامها. فالحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا.
