هل يسقط نتنياهو في مصيدة غزة؟

شكَّل انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة عام 2005، الذي قرره أرييل شارون، محطة فارقة في تاريخ الصراع، واختبارًا حقيقيًّا للرؤية الإسرائيلية اتجاه الاحتلال والمقاومة.
كان السؤال المركزي: هل يمكن لـ«إسرائيل» أن تُحكم سيطرتها على غزة من الخارج، عبر الجو والبحر والمعابر، وتتخلّص من عبء المستوطنات، من دون أن يُنظر إلى الانسحاب على أنه هزيمة؟
هذا السؤال فجّر انقسامًا عميقًا في الداخل الإسرائيلي؛ كما يحدث الآن، فبينما رأى شارون في الانسحاب تكتيكًا لتقليل الكلفة وتعزيز السيطرة بشكل مختلف، اعتبره بنيامين نتنياهو، الذي كان وزيرًا للمالية، تنازلًا خطيرًا يُضعف صورة «إسرائيل». لذا، لم يتردد حينها في الاستقالة، ليؤكد رفضه القاطع لأي تراجع، مُفضِّلًا التمسك بخط السيطرة الكاملة مهما كانت التبعات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ورغم أن الانسحاب من القطاع بدا في ظاهره خطوة نحو الانفكاك من غزة، فإنه في الواقع أعاد تشكيل طريقة الاحتلال: لا جنود داخل القطاع، لكن هيمنة كاملة على الحدود والجو والبحر، لتبقى غزة محاصَرة وخاضعة.
وبعد ما يقارب عقدين من الزمن، يتضح النهج الذي يسلكه نتنياهو في تعاطيه مع الفلسطينيين، ولا سيما في الحرب المستمرة على غزة. فبينما ارتبط اسم شارون بمعظم الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ عام 1948، وارتسمت صورته كقائد دموي مسؤول عن مجازر قبية وصبرا وشاتيلا وجنين، فإن نتنياهو قد تجاوز إرث شارون الدموي؛ إذ تظهر سياساته وأسلوبه في إدارة الصراع بمستويات أشد عنفًا ووحشية، جاعلًا الفلسطينيين في غزة وسائر المناطق المحتلة أمام مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق.
هنا تكمن الخطورة؛ ليس فقط في حجم الدمار الذي تخلّفه سياسات نتنياهو، بل في أن أي تسوية مستقبلية شبه مستحيلة، لا سيما أنه كان دائمًا يرى في الدم والخراب طريقًا للسلطة والسيطرة، لا عائقًا أمامها.
مراوغات إسرائيلية واضحة
لا شك أن قطاع غزة اليوم على حافة الانهيار، فبينما يتم الحديث عن هدنة ومفاوضات لتبادل الأسرى، ومحاولة حماس إنهاء المأساة بالموافقة على خطة الوسطاء، يستعد نتنياهو لاحتلال شامل، مستدعيًا عشرات آلاف الجنود وخمس فرق عسكرية مدججة بأحدث الأسلحة.
مفارقة لا يمكن وصفها إلا بالدجل السياسي الذي رافق هذه الحرب منذ بدايتها، حيث تتضح ازدواجية المواقف الإسرائيلية بوضوح؛ إذ إن استمرار الكيان الإسرائيلي في المفاوضات أو بالأحرى المراوغات مجرد ستار لتغطية القصف والتدمير الممنهج.
واضحٌ أن أي اتفاق مرحلي لوقف إطلاق النار لن يوقف خطة الاحتلال التي أُعلنت منذ البداية، والمتمثلة في السيطرة الكاملة على القطاع، وربما إخضاعه لإدارة لا تتبع حماس ولا السلطة الفلسطينية، وعلى الأغلب تنفيذ خطة التهجير والقضاء على المقاومة الفلسطينية.
التاريخ السياسي لإسرائيل مليء بالوعود المضللة والتصريحات المتناقضة التي تهدف غالبًا إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق العسكرية والسياسية، لا إلى التوصل إلى حل شامل للصراع.
اليوم، ومع تحوّل نحو (86%) من مساحة غزة إلى مناطق إخلاء أو مناطق عسكرية وفق تقديرات الأمم المتحدة، يبدو أن أي تفاوض حقيقي مستحيل في ظل استراتيجية الاحتلال الإسرائيلية الواضحة.
الأهداف العسكرية الإسرائيلية أصبحت تتمثل في السيطرة الكاملة على القطاع، والبحث عن «أي أرض» يُقذف إليها المهجَّرون قسرًا، ثم إغلاق الملف كليًّا.
سيناريوهات المستقبل لا تحمل أملًا كبيرًا، فحتى إبرام هدنة مؤقتة، وإن كان سيسمح بإدخال المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة المدنيين، فلن يغير من سياسة الاحتلال، وستظل تلك الهدنة هشّة أمام النيات الإسرائيلية.
التصعيد العسكري الكامل سيؤدي إلى تنفيذ خطة الاحتلال كلها، مع دمار واسع للبنية التحتية ونزوح جماعي للسكان، في حين من الصعب توقع حدوث أي تأثير للضغوط الدولية، لأن «المجتمع الدولي» يغطّ في نوم عميق.
الصعوبات أمام تنفيذ أحلام إسرائيل
وبالرغم من ذلك، تبقى هناك هوة واسعة بين أحلام نتنياهو والوقائع على الأرض، فعلى الرغم من تصريحاته الحاسمة بشأن السيطرة على غزة، فإن تنفيذ احتلال كامل يواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك معارضة الجيش الإسرائيلي، واتساع رقعة المظاهرات في شوارع تل أبيب للمطالبة بهدنة وإعادة الأسرى، فضلا عن اتساع الفجوة بين دولة الاحتلال والقواعد الشعبية في البلدان الغربية، التي تشكّل ضغطًا على حكوماتها.
كما أن قدرة نتنياهو على احتلال غزة وإدارتها تظل محدودة عمليًّا؛ فالمجتمع في غزة ليس مجرد مساحة جغرافية مكتظة بالسكان، بل هو نسيج اجتماعي متماسك، يضم تيارات سياسية وعشائرية متعددة، وروابط عائلية قوية، إضافة إلى تنظيمات مقاومة قوية، مما يجعل أي تدخل خارجي يواجه مقاومة مستمرة، ويصعّب فرض السيطرة.
هذا إلى جانب امتلاك المقاومة لشبكة أنفاق وأساليب قتالية غير تقليدية، مما يحوّل أي اجتياح بري محتمل إلى فخ دموي للجيش الإسرائيلي، خاصة في ظل نقص القوات ورفض الحريديم الخدمة العسكرية، مما اضطر نتنياهو إلى دعوة اليهود في الخارج للانخراط في الجيش.
وقد يكون التلويح بورقة الاحتلال الكامل لغزة مجرد ورقة تفاوضية أكثر من كونه خطة عسكرية نهائية، هدفها انتزاع المزيد من التنازلات من المقاومة الفلسطينية، خاصة بعد موافقتها على هدنة لمدة 60 يومًا.
مصيدة استراتيجية
في المقابل، يحذّر خبراء مثل رون بن يشاي، المراسل العسكري ليديعوت أحرونوت، من أن الاحتلال الكامل قد يكون «مصيدة استراتيجية» ستشهد إنهاك الجيش الإسرائيلي وتعريض حياة الأسرى للخطر.
ولعل أقصى ما يمكن تحقيقه على المدى القصير هو سيطرة عسكرية محدودة على بعض المناطق عبر الضربات الجوية والحملات البرية الجزئية، لكنها لا توفر استقرارًا دائمًا للاحتلال؛ فالمقاومة والهجمات المتفرقة ستستمر، وسيكون الجنود في مرمى النيران، وربما تتم محاولة أسر عدد منهم كما حدث في العملية الأخيرة البطولية التي نفذتها كتائب القسام واعترف بها جيش الاحتلال، وأدت إلى مقتل العشرات من الجنود وفقًا لرواية القسام.
تقف غزة اليوم على مفترق طرق قاتم بين احتلال شامل ينتظر التطبيق وهدنة هشّة لا تضمن أي حماية للمدنيين. فغياب الثقة في نيات نتنياهو، وضبابية المواقف الإسرائيلية، يجعلان أي اتفاق مرحلي مجرد مسرحية سياسية، مما يعيد الأمور إلى المربع الأول الذي يصعب تخطيه.
