القرضاوي وناشرو كتبه

عرف الناس العلامة الشيخ القرضاوي -رحمه الله- مؤلفا وكاتبا، وعرفوا كتبه ومؤلفاته الكثيرة، التي بلغت مئتي كتاب، صدرت مؤخرا في أعمال كاملة في (106) مجلدات، وهناك جانب مجهول في حياة القرضاوي، وهو علاقته بدور النشر التي نشرت كتبه، على مدار ثلاثة أرباع قرن من الزمان.
فقد مر بمراحل بدأ فيها بنشر كتاباته في دور نشر مجهولة، حين كان صغيرا في السن، إلى أن نشرت كتبه كبرى دور النشر، بل على حساب جهات كثيرة، بدأت بمتبرعين من عامة الناس، إلى متبرعين من أهل الحكم، حبا في الشيخ ومؤلفاته، وهذه الرحلة كلها تحمل ذكريات بين الآلام والطرائف، فعلاقات الناشرين بالمؤلفين علاقة ذات أوجاع، وقليل منها ما يحمل الود والتقدير، ولا تخلو الحياة من هؤلاء وأولئك.
أول كتاب للقرضاوي وطرائفه:
أول كتاب نشره القرضاوي، كان رواية شعرية، بعنوان: يوسف الصديق، وهي محاكاة لمجنون ليلى التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي -رحمه الله-، وظلت هذه الرواية مفقودة، وقد عثرت على نسخة وحيدة أعطاها لي الأستاذ حسني أدهم جرار -رحمه الله-، وهو جامع أول ديوان شعري للقرضاوي (نفحات ولفحات)، فقد طلب مني قصائد قديمة من قصائد شعراء الإخوان، وبحكم امتلاكي أرشيفا فيه جل مجلات الإخوان، فأعطيته ما طلب مقابل النسخة الوحيدة من رواية الشيخ.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
بعد أن عثرت على هذه النسخة حملتها فرحا للشيخ، وكانت ناقصة بعض الصفحات الأخيرة، فطلب مني أن أطبعها على الكمبيوتر، ثم يحاول تكملتها، وسألته عنها، فقال لي: إنها رواية شعرية غريبة، فقد كتبتها وسني تقترب من (16) عاما، واقترضت من بعض أصدقائي بعض المال لطباعتها، ولاسم يوسف معها طرفة، فالرواية عن نبي الله يوسف -عليه السلام-، والكاتب هو يوسف القرضاوي، والمطبعة التي طبعت الرواية: المكتبة اليوسفية في طنطا، ثم بعد ذلك عثر نجل الشيخ الشاعر والسياسي المعروف الأستاذ عبد الرحمن القرضاوي على نسخة كانت لدى أحد تلامذة الشيخ، وقد استشهد في أفغانستان وقت جهادهم ضد الأفغان، وقد تركها لدى أحد أصدقائه، فأعطاها لعبد الرحمن -فك الله أسره-.
الحلال والحرام في أكبر دار نشر بالعالم العربي:
ثم بعد ذلك بدأ القرضاوي مسيرته التأليفية بكتابه: الحلال والحرام في الإسلام، وهو كتاب فريد في بابه وطريقته، وقد كان من المفترض أن يطبعه الأزهر، ويترجم، ويوزع على المسلمين في الغرب، ولما تأخر ذلك، قام الشيخ بطبعه في أكبر مطبعة في مصر آنذاك، وهي: مطبعة الحلبي، وقد نشر في آخر صفحة من الكتاب فقرات من تقرير الأستاذ محمد المبارك، يثني على الكتاب والمؤلف، وقد حذفت هذه الصفحة من طبعات الكتاب فيما بعد.
وقد ذكرنا قصة الكتاب في مقال سابق لنا على “الجزيرة مباشر نت”، لا داعي لتكرارها، وحدث أن أحد أصدقاء الشيخ وهو الدكتور حسن عيسى عبد الظاهر -رحمه الله-، أخذ نسخة من الكتاب لنشره في مصر، فأعطاه لدار الاعتصام بمصر لطباعة الكتاب، وقد كان صاحب الدار فضيلة الشيخ أحمد عيسى عاشور، من علماء الجمعية الشرعية، وكان يحضر لقاء الثلاثاء للشيخ حسن البنا وينشر هذا الحديث في مجلة (الاعتصام)، فلما وصله كتاب الحلال والحرام في الإسلام للقرضاوي، وجد قضايا يختلف فيها معه، فقام بنشر الكتاب، وفي الهامش كان يعلق على القضايا التي لا تتفق مع رؤيته، وهذا مخالف لقواعد النشر، خاصة أنه لم يستأذن المؤلف في ذلك.
قصة نشر كتب القرضاوي في مكتبة وهبة:
غضب القرضاوي لما فعله عاشور في نشره الكتاب، فذهب بالكتاب لنشره في مكتبة (وهبة)، لصاحبها المرحوم الحاج وهبة حسن وهبة، الذي ربطته معرفة سابقة بالقرضاوي في الإخوان، فقام بنشر الكتاب، وأصبح الناشر الأول لكل كتب القرضاوي فيما بعد، على مدار خمسين عاما تقريبا، ولم تكن علاقة وهبة الناشر بالقرضاوي الكاتب، مجرد علاقة ناشر لكاتب، بل كان وهبة يشير في بعض الأحيان على القرضاوي بما يفيد في عالم الكتب.
درس العمر يتعلمه القرضاوي من ناشر قديم:
فقد ذهب القرضاوي برد ضاف مطول على من انتقدوا كتابه الحلال والحرام، فقال له وهبة بخبرة الحياة: يا شيخ يوسف، هل رأيت شيخا اقتنع برد شيخ عليه؟ أو تراجع عما قال بسبب الردود؟ قال له: لا، قال له: طيب ما فائدة ما فعلت، نصيحة حجم الكتاب الآن ممتاز، لو أضفنا ردودك سيزداد حجمه للضعف، وسيزداد سعره، وبذلك يصعب على القارئ، أنصحك بشيء أهم، أفضل رد ترد به على مخالفين هو أن تكتب كتابا آخر، فيكون الكتاب الجديد بمثابة رد على من هاجمك، لأنك لو ظللت مرهونا بالردود، لن تخرج من هذه الدائرة، ولن تثمر في عطائك العلمي، واستجاب القرضاوي لهذه النصيحة، وأصبحت العلاقة بينهما علاقة وطيدة.
على مدار علاقتي مع الشيخ، وجدته كثيرا ما يشكو من ناشرين إسلاميين وغير إسلاميين، الناشر الوحيد الذي لم يشك منه يوما، كان وهبة حسن وهبة -رحمه الله-، ومكتبة وهبة، لا شكوى من الحقوق، أو غير ذلك مما يضج منه الكتاب بالشكوى من دور النشر، وقديما قال الأستاذ أنيس منصور: الناشرون يشربون الخمر في جماجم المؤلفين. يقصد بذلك أكل حقوقهم، وقليل جدا من الناشرين من يخشى الله في الحقوق للأسف.
وكنت أرى الحاج وهبة، وهو يحسب حقوق المؤلفين، وقد عقد لكل مؤلف ملفا، يحسب فيه بالنسخة الواحدة، ما تم بيعه، وما تم إرساله هدية للمؤلف، وكان يرهق نفسه في هذه الحسابات، حتى قال لي مرة بعد أن تعبت عينه من المراجعة: يا بني، إنني أتمثل الملكين يحاسبانني في القبر، وأنا أقوم بمراجعة ما للمؤلف من حقوق، ولم أجد أحدا شكا من الرجل حيا أو ميتا، رحمه الله رحمة واسعة.
عتاب من وهبة للقرضاوي:
ولقيني ذات مرة، وحملني أمانة أخبر بها الشيخ، وقد قال لي: يا عصام، إن ناقل الكفر ليس بكافر، ففهمت أنه سيقول شيئا فيه شيء من العتاب للشيخ، ففي هذه الفترة كان الشيخ يكثر من إرسال كتبه الجديدة لدار أخرى، لم تكن متبنية لكتبه من قبل، فقال الحاج وهبة: قل للشيخ، إذا كان هناك أخوان، نهض أحدهما وارتفع شأنه، أليس من الأولى أن يرفع أخاه معه، أم يذهب لغريب عنه ليرفعه معه؟
فهمت ما يقصد، ونقلت عبارته للشيخ، كعادتي في نقل ما يود الناس نقله له، وكان شيخنا -رحمه الله-، رحب الصدر، على كثرة ما كنت أنقله من عتاب أو لوم من أحد، أو شكوى، فقال لي: إن وهبة أخي، وصديق، وأخ عشرة عمر في الدعوة والحياة، وعلى مدار علاقتي معه، لم أحاسبه مرة، ولم أسأله مرة: لم أعطاني كذا، ولم لم يعطني كذا؟ لثقتي المفرطة فيه، ولحبي الجم له، لكن أغلفته ليست متطورة، وينبغي أن يطور من وسائله، وذكرت له قصة ذكرها لي الحاج وهبة عن أستاذه الدكتور محمد البهي -رحمه الله-، وما فعله مع وهبة حين خرج من السجن.
فعندما سجن وهبة بسبب طباعته (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكتب أخرى، طبع البهي كتبه في بيروت، وبعد خروج وهبة من السجن، ذهب البهي للناشر البيروتي، وسأله عن النسخ التي في مخزنه، وصفى معه حسابه، وقال له: لقد خرج ناشر كتبي، وهو أحق بها، وأرجو عدم طباعتها، وشكره، وكان وهبة يحمل هذا الجميل للبهي، ويعتب على رفقائه في الدعوة الذين بدأوا بالنشر عنده، فلما خرج أخذوا كتبهم لدور أخرى، مثل كتب الأساتذة: سيد قطب، ومحمد قطب، وخالد محمد خالد.
محمد علي دولة ونشر آخر مؤلفات القرضاوي:
ومن الناشرين الذين تعامل معهم القرضاوي في أخريات حياته، وكان حسن المعاملة كذلك، الأستاذ محمد علي دولة -رحمه الله- صاحب دار القلم دمشق، فقد كان الرجل من الطراز نفسه لوهبة حسن وهبة، صاحب خلق حسن، وقد كان يسعى وراء المؤلفين لإيصال حقوقهم، وعندما طبع كتب الشيخ محمد الغزالي، فوجئ الغزالي بدولة يزوره في بيته ويعطيه حقوق كتبه، فصدم الغزالي من المبلغ الكبير الذي أعطاه له، وقال له: هل كتبي تجني هذه الأموال؟! قال له: نعم يا شيخ، فحمد الله، وصمت، وكأن الغزالي يريد أن يبث شكواه، أن هذا الحق لا يصله من آخرين، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم.
وقد توفي صاحب دار القلم -رحمه الله-، ولكن ظلت سيرته الحسنة في تعامله مع الشيخ باقية، ولما جاءت ظروف في مصر تمنع مكتبة وهبة من نشر أي جديد للقرضاوي، بل حتى القديم، وقد أزمع القرضاوي إخراج أعماله الكاملة في (106) مجلدات، فكانت وجهته للدار التي هي إحدى أيادي محمد علي دولة البيضاء.
ذكرت هنا بعض من كان يثني عليهم القرضاوي في تعاملهم في نشر كتبه، وليس ذلك من باب الحصر، بل من باب النماذج، وهناك مواقف أخرى لدور لن أذكر أسماءها، لكن أذكر قصة شكوى القرضاوي من تعاملهم في النشر، وفي الحقوق، وهي شكاوى متكررة للأسف يعيشها الكتاب والمؤلفون مع عدد من الناشرين، لا يرعون حقوقا، ولا يحفظون ودا.
