ترامب يغازل بوتين.. وأوكرانيا الثمن!

الرئيس دونالد ترامب يحمل صورة للقاء الذي جمعه مع الرئيس الروسي بوتين (الفرنسية)

تشهد الساحة الدولية هذه الأيام حراكا سياسيا واسعا، تقوده الولايات المتحدة وأوروبا، في محاولة لوضع حد للحرب الروسية الأوكرانية، فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، بات واضحا أن الحرب تركت آثارا مدمرة على أوكرانيا، وأرهقت اقتصاديات القارة الأوروبية، التي لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من التكاليف الباهظة.

ترامب يدخل المشهد بمبادرة مثيرة

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المعروف بلقب “رجل الصفقات”، عاد إلى دائرة الضوء عبر مبادرة سلام يصفها البعض بالجريئة، فيما يراها آخرون مستحيلة التحقيق. ترامب، الذي لا يخفي رغبته في نيل جائزة نوبل للسلام، تباهى مرارا بأنه أوقف ست حروب خلال فترة رئاسته، وقرر هذه المرة أن يقفز فوق كل القيود الأوروبية ومواقف إدارة بايدن السابقة، داعيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لقاء مباشر في ألاسكا.

هذا اللقاء مثّل تحولا صادما، إذ بدا وكأن ترامب يريد تحويل العدو اللدود لواشنطن إلى شريك محتمل له. الإعلام الروسي التقط الرسالة سريعا، فبدأت القنوات ببث فيلم دعائي يصوّر فتاة بزي روسي تقليدي ترقص مع شاب يرتدي قميصا بألوان العلم الأمريكي، مع استحضار مشاهد تاريخية للتعاون بين البلدين، مثل لقاء القوات الأمريكية والسوفيتية على نهر إلبه عام 1945، والتعاون الفضائي في سبعينيات القرن الماضي، وينتهي الفيلم بشعار: “معا نصنع المستقبل”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكن الولايات المتحدة تدرك أن الأمر ليس بيدها وحدها، وأن الشركاء الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طرف أساس في أي تسوية، لذلك دعا ترامب قادة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا لاجتماع عاجل. حضورهم جميعا عكس بوضوح حجم التأثير الأمريكي، لكنه كشف أيضا عن ضعف القيادة الأوروبية، التي بدت مرتبكة ومرعوبة من الموقف الروسي.

أوروبا بين الخوف والتبعية

قبل المؤتمر، ألقى ترامب تصريحاته النارية، واصفا أوكرانيا بالدولة الضعيفة، وروسيا بالقوة الكبرى، مؤكدا أن زيلينسكي لا يملك خيارا سوى قبول الصفقة. هذا الموقف وضع القادة الأوروبيين في حرج بالغ. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصف بوتين بعد الاجتماع بـ”الحيوان المفترس”، قائلا إنه يأكل أكثر فأكثر من أجل البقاء. أما زيلينسكي نفسه فبدا مهزوزا، وشكر ترامب إحدى عشرة مرة أثناء المؤتمر الصحفي، فيما كان واضحا أن هناك فرقا كبيرا في الاحترام الذي أبداه ترامب لبوتين أثناء الاستقبال وسخريته من زيلينسكي، مع محاولة أن يكون أكثر إنصافا هذه المرة.

تجربة الحصار الأوروبي لروسيا لم تحقق نتائج ملموسة، فرغم العقوبات القاسية، لم تتجاوز نسبة البطالة في روسيا 2.2%، كما عززت موسكو علاقاتها مع دول حليفة عبر بيع النفط بأسعار مخفضة، وبالمقابل، تكبدت أوروبا خسائر اقتصادية هائلة، بينما أنفقت روسيا نحو 40% من ميزانيتها على التسليح، معتمدة على جيش يتجاوز 1.3 مليون جندي.

بالنسبة للأوروبيين، روسيا ليست شريكا يمكن الوثوق به، منذ غزوها لجورجيا عام 2008. لكنهم، في الوقت ذاته، لا يملكون سوى الاستمرار في دعم أوكرانيا بالسلاح والمال، دون أن يقدروا على تغيير ميزان القوى جذريا.

بعد لقاء ألاسكا، بدت الأمور وكأنها عادت إلى ما قبل اندلاع الحرب. أوروبا اليوم تناقش ما رفضته بالأمس مع إدارة بايدن: عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وعدم نشر صواريخ تهدد الأمن الروسي على أراضيها. ترامب نفسه قال إن هذه المطالب كانت مطروحة منذ البداية، وإن تجاهلها كان السبب الحقيقي لاندلاع الحرب.

روسيا من جهتها تطالب اليوم باعتراف أوكرانيا بفقدان أراضٍ مقابل وقف إطلاق النار، خصوصا في لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، وهي مناطق أدرجتها في دستورها عام 2022، وفي مذكرات تفاوضية حديثة، اشترطت موسكو انسحاب القوات الأوكرانية من الأجزاء غير المسيطر عليها كليا في دونيتسك ولوغانسك لوقف العمليات. زيلينسكي رفض ذلك بشدة، مؤكدا أن الدستور الأوكراني يمنع التنازل عن الأراضي، لكنه أبدى استعداده للتحدث مباشرة مع بوتين!!.

العودة إلى نقطة الصفر: الضمانات الأمنية

اليوم، لا يدور النقاش فقط حول الأراضي، بل حول ضمانات أمنية مشابهة للمادة الخامسة من معاهدة (الناتو)، التي تنص على أن أي هجوم على عضو يُعد هجوما على الجميع. الأمين العام لـ(الناتو)، مارك روته، أوضح أن أوكرانيا ليست عضوا كاملا في الحلف، لكن العمل جارٍ على صياغة ضمانات بديلة.

زيلينسكي أعلن أن المقترحات ستكون جاهزة خلال عشرة أيام، لكن الانقسامات الأوروبية ما زالت حاضرة. في ألمانيا، تثير فكرة إرسال قوات للقتال في أوكرانيا جدلا كبيرا بسبب حساسيات تاريخية. المستشار الألماني فريدريش ميرتس قال إن أي ضمانات يجب أن تُناقش في البرلمان الألماني أولا. أما ماكرون فاقترح أن تشمل الضمانات “قوات دعم برية وبحرية وجوية” تعزز الجيش الأوكراني. بريطانيا من جانبها دفعت باتجاه مشاركة أكبر، وهو ما ردت عليه موسكو بغضب شديد، معتبرة أن أي وجود لقوات (الناتو) في أوكرانيا سيقرب العالم من حرب كبرى.

ترامب لم يخف استثماره السياسي في الملف الأوكراني والمحادثات الجارية، وعاد ليتهم إدارة بايدن بأنها السبب في استمرار الحرب، لأنها دفعت أوروبا وزيلينسكي إلى التصعيد بدل البحث عن حلول مبكرة، وأكد أن الحرب لم تكن لتبدأ لو كان هو في البيت الأبيض.

بهذا الموقف، نجح ترامب في فضح الانقسامات الأوروبية، وإبراز ضعف الحلف الغربي أمام روسيا. أما بوتين، فبدا مستفيدا من هذه التحولات، وهو يلمّح إلى إمكانية قبول ضمانات أمنية مشروطة، تاركا الباب مفتوحا أمام جولة مفاوضات جديدة قد ترسم مستقبل الحرب.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان