رحلة المقاومة من فيتنام إلى غزة

يا فلسطينية فيتنام عليكو البشارة
والنصرة طالعة من تحت ميت ألف غارة
والشمعة والعة والأمريكان بالخسارة
راجعين حيارى عقبال ما يحصل حداكو
أغنية الشيخ إمام «يا فلسطينية»، التي طالما رددها آلاف الشباب في الميادين والجامعات، المتطلعين لتحرير فلسطين، يتردد صداها العام الجاري، مع مرور نصف قرن على انتصار الشعب الفيتنامي على الإمبريالية الأمريكية.
ولم يكن مصادفة أن يرفع متظاهرون، في دول عدة، لوحًا كتبوا عليها: «غزة = فيتنام».
ورغم أن الفلسطينيين حققوا نصرًا استراتيجيًا، وحظوا بدعم عالمي شعبي غير مسبوق، بعد عملية طوفان الأقصى، أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن هزيمة دولة الاحتلال ما تزال بعيدة المنال، لأسباب إقليمية بالأساس.
صورة طفلة النابالم
لم يكن صيف 1975 صيفًا عاديًا في التاريخ الفيتنامي، فقد انتصرت فيتنام الشمالية آنذاك، بفضل الصمود الشعبي الأسطوري، والدعم السوفيتي والصيني، وأُعيد توحيد شطري البلاد بعد حربين مع إمبراطوريتين، أودتا بحياة نحو مليوني فيتنامي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ثوار جبهة التحرير الوطنية بزعامة «هو شي منه»، خاضوا المعارك في الأدغال والأنفاق والجبال، وتمكنوا من إسقاط عشرات قاذفات «بي-52» عبر منظومات الدفاع الجوي التي حصلوا عليها من الروس.
وكانت للتقارير الإعلامية عن المجازر في فيتنام، رغم أنها لا تقارن بما نشاهده يوميًا في غزة، إلى جانب نعوش الجنود الأمريكيين، أثر واسع في الرأي العام الأمريكي والعالمي، خصوصًا صورة «طفلة النابالم» التي كانت تجري عارية بعد أن أسقطت طائرة أمريكية مادة النابالم الحارقة على قريتها في 8 يونيو/حزيران 1972.
والمحصلة أن واشنطن، التي تورطت في فيتنام بعد فرنسا، خسرت نحو 58 ألف جندي و120 مليار دولار في الحرب، التي باتت الأكثر «إذلالًا» في تاريخها.
تحولات مذهلة.. ولكن!
لم يكن الفلسطينيون أقل شجاعة وجسارة من المقاومة الفيتنامية، لكنهم يواجهون احتلالًا استيطانيًا عنصريًا يلعب دور كلب الحراسة للمصالح الأمريكية، في غياب ظهير عربي ودولي.
ورغم ذلك كانت عملية طوفان الأقصى مبادرة مهمة لتغيير التوازن وإعادة القضية الفلسطينية للصدارة.
ولم ير العالم حركة تضامن في مختلف أنحاء العالم، مثل حركة التضامن مع فلسطين، منذ حرب فيتنام.
وقبل شهر تقريبًا أُعلن عن تأسيس التحالف العالمي من أجل فلسطين في لندن، بمشاركة 70 منظمة من 25 دولة، إلى جانب وفود من فلسطين والشتات.
وفي كلمته قال النائب البريطاني جيمي كوربن: «نحن لا نبني تحالفًا عابرًا، بل نؤسس لحركة عالمية ثابتة تتحدى الظلم وتعيد لفلسطين مكانتها في ضمير الإنسانية. هذه لحظة تاريخية ونقطة تحول في النضال من أجل العدالة».
ملاحقة الجناة!
وعلى مدار حرب الإبادة في غزة، لم يكن مئات الجنود الصهاينة، الذين عمدوا للتباهي بنشر «فيديوهات» توثق جرائمهم في القطاع، يدركون أنها ستكون سببًا في ملاحقتهم بدول العالم.
ويوم 14 يوليو الماضي، قدمت مؤسسة هند رجب شكوى قانونية رسمية في البرتغال ضد القناص الإسرائيلي داني أديغا لدوره في حملة الإبادة الجماعية في غزة.
وفيما قد يُمثل نقطة تحول في السعي العالمي للمساءلة، اعتقلت الشرطة الفيدرالية البلجيكية جنديين إسرائيليين واستجوبتهما، متهمين بارتكاب جرائم حرب في غزة.
ويُمثل هذا التطور خطوة مهمة إلى الأمام، إذ يُشير إلى اعتراف بلجيكا بولايتها القضائية بموجب القانون الدولي، وتعاملها مع الادعاءات بالجدية التي تستحقها.
وتقول مؤسسة «هند» في بيان على صفحتها على «فيسبوك»: «إلى الضحايا والناجين في غزة: نراكم، ونسمعكم، ونمضي قدمًا في مطالبكم بالعدالة».
واحتشد مئات المتظاهرين في ميناء فولو اليوناني لمنع سفينة محملة بجنود إسرائيليين قادمين للسياحة من الرسو.
طوفان العقوبات
احتاج الأمر 22 شهرًا من الضغوط الشعبية الهائلة، لكي يبدأ طوفان العقوبات الرسمي غير المسبوق، بعد طوفان الأقصى.
دول عديدة تقرر فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين، بما فيهم دول يحكمها اليمين مثل السويد.
وأخرى تقطع علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل مثل إسبانيا، بينما حصلت هولندا على تأييد غالبية الاتحاد الأوروبي على قرار بمراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية.
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى مؤتمر دولي في نيويورك الشهر المقبل لتعزيز حل الدولتين والاعتراف الشامل بدولة فلسطين، بعد أن أعلنت فرنسا وبريطانيا وكندا والبرتغال ومالطا وأستراليا عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شهدت كل من أستراليا واليابان مظاهرات هي الأضخم في تاريخهما دعمًا لفلسطين.
ثمن الحرية
ناضل الفيتناميون 90 عامًا لنيل استقلالهم، وقدموا أكثر من مليوني قتيل، ولو كانوا رفعوا الراية البيضاء ما كانوا دحروا الغزاة.
واليوم، هناك من يشكك، بعد كل ما حدث في حرب غزة من قتل وتدمير في جدوى عملية طوفان الأقصى.
والسؤال الذي يطرحه هؤلاء: ماذا جنى الشعب الفلسطيني من ذلك الهجوم سوى الموت والدمار والهزيمة؟ ولماذا لم تضع المقاومة في اعتبارها أن توازن القوى لم يكن في صالحها؟
يتناسى هؤلاء أن أي مبادرة من المقاومة أو الثورة هي بالضرورة مجازفة أو رهان. فلا يمكن التنبؤ بكيف سيكون تأثير المبادرة نفسها على توازن القوى.
وفي حالة 7 أكتوبر، هل كان من الممكن التنبؤ برد فعل الجماهير العربية؟ هل كان يمكنهم أيضًا التنبؤ بدور ومصير المقاومة اللبنانية؟ وغيرها الكثير من المتغيرات، التي كان من الممكن أن تأخذ مسارًا مختلفًا.
فكل عمل ثوري هو بالضرورة رهان على المستقبل، لا يمكن ضمان نتيجته بشكل مسبق.
أما الذين يدعون ضرورة أن يكون انتصار المقاومين حتميًا، فهم يعادون العمل المقاوم ويريدون للشعب الفلسطيني أن يستسلم، فالمقاومة بالنسبة لهؤلاء لن تؤدي إلا للمجازر.
ولكن المنطق الثوري يقتضي أن نراهن على توافر شروط موضوعية تسمح بنجاح المبادرة الثورية، وأن نفعل كل ما بوسعنا لاستثمار تلك الشروط، ولكن أن يكون مطلوبًا «ضمان» نجاح مسبق، فهذا لا يعني إلا القبول المسبق للهزيمة.
ولا يعني ذلك بالطبع أن نمتنع عن انتقاد «حماس»، ولكنه يعني أننا نقف مع المقاومة ومع مبادراتها، حتى لو انتهت هذه المبادرة أو تلك بالهزيمة.
شروط الانتصار
العجيب في تاريخ الثورة الفلسطينية ليس أنها لم تنتصر حتى الآن، ولكن العجيب هو قدرتها على الصمود بعد كل مذبحة، والنهوض من جديد، فلم ير العالم مقاومة مثل هذه منذ المقاومة الفيتنامية في القرن الماضي.
نعم، قُتل أكثر من 60 ألف في حرب غزة وخسرت المقاومة أعدادًا لا تُحصى من القيادات والمقاتلين، ولكن هذا هو مصير الكفاح المسلح في حركات التحرر الوطني تاريخيًا.
وبالتأكيد، كان من الممكن أن تتوقف حرب الإبادة، إذا قرر الحكام العرب أن يبدؤوا طوفان عقوباتهم ضد إسرائيل، على الأقل مثلما فعلت أوروبا.
لكن تحرير القدس يستلزم وجود قيادة فلسطينية موحدة، إلى جانب انتصار معركة التغيير في دول الطوق، لتربط هذه الأنظمة بشكل عملي بين هزيمة الاستبداد والفقر والتهجير، وبين تصفية المشروع الصهيوني.
ورغم كل ذلك، لا يجب الاستهانة بالزلزال الشعبي الذي أحدثته حرب غزة، بل يجب تعظيمه والبناء عليه طوبة طوبة، بالضبط كما ينهي الشيخ إمام أغنيته الشهيرة «يا فلسطينية»، مخاطبًا المقاومين: «والسكة مهما طالت، وباتت بعيدة، مد الخطاوي هو اللي يسعف معاكو».
