لن تأخذ غزة، بل تسقطك غزة!

هل كان قدرًا علينا أن نعيش في عصر يتحكم فيه كثيرو النرجسية والإحساس بالذات والأنا العليا، مدججين بأقوى أدوات التدمير، فلا نستطيع أن نلاحق أنفاسنا من تصريحاتهم التي لا يحكمها عقل، بل يحكمها المنطق الشائع عن الرئيس الكوري الشمالي؟ ليتضح لنا بعد تفكير أن حملة التشويه التي يتعرض لها كيم جونغ أون ما هي إلا حملة للتغطية على مخبولي العقل الذين يديرون العالم وتحت أقدامهم أسلحة نووية يهددون بها البشرية، ويدّعون لأنفسهم سلطات قادرة على نزع أراضي الشعوب بسلطة القوة المسلحة.
ترامب وسلطة الولايات المتحدة
في تصريحات صحفية للرجل الذي لا يتوقف عن الكلام غير المنطقي (دونالد ترامب) جلس بكل أريحية ليقول: «سناخذ غزة». وعندما أعاد أحد الصحفيين الأمريكيين سؤاله: قلت من قبل إننا سنشتري غزة؟ أجابه ترامب: «لا داعي لشرائها، سنأخذها!». فسأله آخر: بأي سلطة تأخذها؟ فقال: «بسلطة الولايات المتحدة!».
تخيل لو أن هذه التصريحات صدرت عن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ماذا سيكون رد فعل العالم الغربي والجمهور العالمي، في ظل الصورة الذهنية التي رسمها الإعلام الغربي لهذا الرجل على مدار سنوات؟ تخيل كيم وهو يعلن أنه سيأخذ روما أو ليون أو تكساس بسلطة كوريا الشمالية!
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ما أشيع عن جونغ ما هو إلا محاولة غربية للتغطية على أمثال ترامب ونتنياهو وبايدن وغيرهم من قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وظني أن ترامب هو النموذج الغربي الأوروبي القادم منذ أربعة قرون إلى «الأرض الجديدة» التي اكتشفها كولومبوس، ليقوم بالمذبحة الإنسانية الكبرى في تاريخ البشرية ويقضي على السكان الأصليين من الهنود الحمر، وليوطن مكانهم القادمين ذوي البشرة البيضاء.
لكن ما هي سلطة الولايات المتحدة التي يعتمدها ترامب ليأخذ غزة بدلاً من شرائها؟ هل هي سلطة الفيتو الأمريكي الذي يحول دون اتخاذ أي قرار بوقف حرب الإبادة التي يشنها نتنياهو والجيش الصهيوني على غزة؟ أم سلطة الرؤوس النووية التي يمتلكها الكيان الصهيوني ولا يخضع بها لأي قرار أممي؟ أم سلطة القوة العسكرية الأمريكية التي يتوهم ترامب أنها قادرة على تحقيق أحلامه الجنونية؟
ربما يظن ترامب أن العالم دان له، وأن الشرق الأوسط يُدار من بيته الأبيض بأوامره لحكام المنطقة. فقد نجح الإعلام الغربي والصهيوني في تصدير صورة أن الأمريكي والصهيوني لا يُهزمان، وأنهما قادران على كل شيء، مما جعل الجميع ينبطح أمامهما.
إذن لِنُذَكِّر ترامب
تصريحات ترامب عن غزة لم تواجه بالرفض الكافي، فيجب إذن أن نذكره نحن بتجارب الولايات المتحدة العسكرية:
في أفغانستان خرجت واشنطن مهزومة ذليلة بعد عشرين عامًا من الاحتلال.
في فيتنام خسرت نحو 60 ألف جندي وأُجبرت على الانسحاب بعد هزائم قاسية.
في العراق ما زالت نتائج الفشل شاخصة حتى الآن.
أما كوبا، الصغيرة على بعد خطوة من السواحل الأمريكية، فما تزال صامدة منذ عقود، وأذلت الولايات المتحدة.
وكذلك فشلت واشنطن في فرض عملائها بدول أمريكا الجنوبية مثل فنزويلا والبرازيل والأرجنتين.
فبأي سلطة إذن يتحدث ترامب؟ بسلطة دولة هي صاحبة أكبر ديون في العالم (تتجاوز 30 تريليون دولار) وتغطيها بطباعة الدولار؟!
غزة ستسقط ترامب وتابعه
لنُذكِّر ترامب أن غزة، التي قال إنه سيأخذها بسلطة الولايات المتحدة، لا تزال صامدة منذ 23 شهرًا أمام أحدث أسلحته وقنابله «الذكية» وغير الذكية. هل قدر حجم القنابل التي ألقيت على غزة؟ هل سأل تابعه نتنياهو عن خسائر الجيش الصهيوني في خان يونس وبيت حانون؟
هل يدرك ترامب حجم التحول في الرأي العام العالمي، واستقالة وزراء في هولندا احتجاجًا على عجز دولتهم عن معاقبة إسرائيل؟ هل وصله أن غزة غيّرت معادلات العالم، كما فعلت كوبا يومًا؟
يقينًا، غزة الصغيرة الصامدة الباسلة ستغيّر تاريخ العالم. يقينًا، غزة ستسقط ترامب وتابعه نتنياهو ومعهما كل من صمت وتخاذل. يقينًا، هناك أمة قادمة بعد غزة، لن يكون فيها ترامب ولا نتنياهو ولا كيانهما المصطنع.
