هل تقود إسرائيل الشرق الأوسط إلى مواجهة كبرى؟

تدخل منطقة الشرق الأوسط منعطفًا خطيرًا، في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق على أكثر من جبهة.
من غزة إلى الضفة الغربية، ومن الجنوب اللبناني إلى العمق السوري، تتسع رقعة التوتر، وتمتد التهديدات لتشمل أطرافًا إقليمية عديدة، وتهدد بنسف الاستقرار.
تطرح هذه التطورات الأخيرة تساؤلًا جوهريًّا مفاده: هل تقود إسرائيل المنطقة إلى مواجهة كبرى أم أن الأمر مجرد ردّ ظرفي؟
هذا ما نحاول الإجابة عنه عبر قراءة في مشهد المنطقة المعقّد، الذي تتصارع فيه مشاريع سياسية وأمنية متضادة، وسط غياب استراتيجية عربية موحّدة.
تصعيد إسرائيلي مقابل صمود فلسطيني
تُواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو وتحالفه مع تيارات دينية ويمينية متشددة، سياسة الهروب إلى الأمام.
وتعتمد هذه الحكومة على التصعيد العسكري أداة لتجاوز أزماتها الداخلية، بعدما وصلت الأزمة داخل إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة من الاستقطاب، والانهيار التدريجي للثقة بالمؤسسات.
مؤخرًا، أعلن جيش الاحتلال استدعاء أكثر من 60 ألف جندي احتياط، وتمديد خدمة 20 ألفًا آخرين، لتنفيذ خطة احتلال غزة، فيما وصفته الصحف الإسرائيلية بـ«حرب الحسم».
اللافت أن هذا التصعيد لا يُفسَّر فقط بالرغبة في القضاء على حركة حماس وكسر المقاومة، واحتلال قطاع غزة، بل يمكن قراءته ضمن محاولة إسرائيلية لتحويل الأنظار عن تفكك داخلي، ولتأكيد أن إسرائيل قوة إقليمية قادرة على ضبط الإيقاع الأمني في المنطقة.
في المقابل، تواصل المقاومة الفلسطينية تصديها للعدوان الإسرائيلي ومواجهة سياسات التهجير والعقاب الجماعي، وتعكس المقاومة المستمرة في قطاع غزة، في ظل حصار خانق، حالة صمود شعبي لا مثيل لها في وجه مشروع إسرائيلي استيطاني توسعي يستهدف اجتثاث الهوية الوطنية الفلسطينية.
وقد وثقت تقارير منظمات دولية، منها «أوتشا» و«هيومن رايتس ووتش»، الانتهاكات الإسرائيلية، وتزايد أعداد الشهداء وتدمير المستشفيات والمنشآت والبنى التحتية.
وفقًا لبيانات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد تجاوز عدد الشهداء 62,122، وأُصيب أكثر من 156,758 شخصًا منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 حتى 23 أغسطس/آب 2025.
وإلى جانب هذه الأرقام -على فداحتها- فهناك مأساة من نوع آخر لا تقل قسوة، تتمثل في الوفيات الناتجة عن الجوع ونقص التغذية. وقد وثّقت المنظمات العاملة في الميدان وفاة 269 شخصًا بسبب سوء التغذية، من بينهم 112 طفلًا.
الجبهات تشتعل وموقف تركي وعربي حذر
لم يعد التصعيد محصورًا داخل حدود غزة، فخيوط التوتر تمتد اليوم إلى أكثر من ساحة في الإقليم، وتحديدًا لبنان وسوريا والعراق واليمن، حيث تشير المعطيات بما ينذر بانفجار متعدد الجبهات في أي لحظة.
في لبنان، لا تزال الحدود الجنوبية مسرحًا للاشتباك المستمر، كما تواجه الدولة اللبنانية ضغطًا داخليًّا لمحاولة ضبط السلاح خارج سيطرة الدولة، في حين حذّر حزب الله من أن أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة تصب في خدمة أهداف الاحتلال الإسرائيلي، وقد تدفع البلاد نحو المجهول.
وفي سوريا، لا تزال الغارات الإسرائيلية متواصلة، خاصة في المناطق الجنوبية، وسط صمت دولي لافت.
هذه الضربات تُظهر أن إسرائيل تتعامل مع الجبهة السورية باعتبارها حقل اختبار دائم، وتستخدمها لتوجيه رسائل أمنية إقليمية.
أما العراق، فقد شهد مؤخرًا تحركات للفصائل المسلحة، التي كثّفت مناوراتها، في ظل تصريحات إيرانية رسمية، أبرزها تحذير المستشار العسكري لمكتب المرشد الأعلى الإيراني، من أن حربًا جديدة مع إسرائيل يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
وفي اليمن، أظهرت جماعة «أنصار الله» الحوثيون قدرتها على إيصال رسائل استراتيجية، بعد تنفيذها هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى استهدفت مواقع إسرائيلية، مما دفع تل أبيب للرد بقصف أهداف قرب صنعاء. وقد يعكس ذلك تحول الساحة إلى جبهة قتال في حال توسعت الحرب.
في خضم هذا التصعيد، تعكس المواقف العربية والتركية إدراكًا لتغيّر في توازن القوى الإقليمي لصالح إسرائيل، ولذلك تبدو حذرة إلى حدّ كبير، وإن كانت متفاوتة في الدرجة والوضوح.
تركيا تحاول الحفاظ على توازن دقيق؛ فهي ترفع صوتها سياسيًّا دفاعًا عن الفلسطينيين، لكنها في الوقت نفسه حريصة على ألا تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، خاصة في ظل تعقيدات علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. تبدو أنقرة وكأنها تختار المسار الدبلوماسي والإعلامي، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
الدعم الأمريكي وتحوّلات السياسة
أحدثت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية تحريكًا للمشهد السياسي في الشرق الأوسط على إيقاع مختلف، وأصبحت إسرائيل، التي لطالما حظيت بدعم أمريكي تقليدي، تتصرف بثقة أكبر، مدفوعة بغطاء سياسي وعسكري أمريكي شبه مطلق.
فقد سارعت إدارة ترامب إلى إقرار حزم دعم عسكري جديدة لتل أبيب، تجاوزت قيمتها 16 مليار دولار، مما مثّل تحولًا واضحًا ليس فقط في حجم الدعم، بل في طبيعته. فالدعم هنا جاء ترجمة عملية لتبنّي إدارة ترامب للرؤية الأمنية الإسرائيلية بشكل شبه كامل.
في مجلس الأمن، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو أكثر من مرة، لتعطيل أي محاولة دولية لوقف إطلاق النار في غزة أو حتى لإدانة التصعيد، في رسالة مضمونها أن واشنطن لا ترى ضرورة لفرملة الحرب ما دامت تخدم مصالحها وحساباتها الإقليمية، دون اكتراث بتبعات الصراع على المدنيين، أو على استقرار الشرق الأوسط كله. وهذا لا ينفي وجود جدل في الإدارة الأمريكية والإعلام الأمريكي حول هذا الدعم.
سيناريوهات محتملة
في ظل هذا المشهد، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين حرب إقليمية مفتوحة تُدخل المنطقة في فوضى قد تمتد لسنوات، وهدنة هشة نتيجة ضغوط دولية لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في الاحتلال والحصار، وتصعيد محدود يستفيد منه الاحتلال لتمرير مخططاته وتوسيع الاستيطان.
إن قواعد اللعبة في الشرق الأوسط تحتاج إلى إعادة تعريف. وإن سؤالًا آخر مهمًّا يبحث عن إجابة إلى جانب السؤال «ماذا سيحدث؟»، هو: هل ستظل إسرائيل وحدها ترسم شكل الإقليم؟ أم أن دول المنطقة ستأخذ بزمام المبادرة في هذه المرة؟
في كل الأحوال، يبقى غياب موقف عربي حاسم عنصرًا مركزيًّا في التمادي الإسرائيلي.
وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ماسّة لتحرك عربي مختلف، لا يكتفي بالبيانات، بل يبدأ إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها أولوية، ويستعيد أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي، ولو تدريجيًّا.
والتحرك يجب أن يبدأ بالضغط في المؤسسات الدولية، وتقديم الدعم الإنساني والاقتصادي للفلسطينيين، مع رسم استراتيجية إعلامية تضع الاحتلال تحت المجهر العالمي.
إن ما يجري اليوم في فلسطين ليس مجرد حرب، بل صراع على شكل الإقليم ومستقبله، ومحاولة لفرض الرؤية الإسرائيلية، وإذا لم يُقابل ذلك برد حاسم وفعال، فإن الثمن لن تدفعه فلسطين وحدها، بل المنطقة بأسرها.
