لماذا حظيت شام الشريف بكل هذا التعاطف؟

طفلة فلسطينية لم تتخطَّ الخمس سنوات بعد، لا تملك ذاكرة تسعفها كيف كان حالها قبل الحرب التي استكملت شهرها الثاني والعشرين. لا تذكر كيف كانت حياتها في بيت ينعم بالدفء والأمان والسكينة، في ظل أبوين متحابَّين يعيشان لقضية واحدة، هي قضية المستقبل والأرض والمقدسات. طموحات ككل شباب العالم: بيت مستقر، وطن آمن، أهل سعداء، وأطفال يعيشون في مأمن كأقرانهم في أوطان أخرى. لكن شام لم تعرف معنى الوطن الآمن.
لا تذكر “شام” حياةً أخرى غير تلك التي عرفتها في ظل القصف اليومي، بين خيمتين تنتقل بينهما: خيمة الصحفيين التي يقطنها الأب الحاني المحب أمام مستشفى الشفاء بغزة، وخيمة أخرى يحاول إخفاءها خوفًا على أهله وأحبته من عدو يتربص لوقف نقل الحقيقة البشعة بتصفية ناقليها وذويهم. هكذا أضاف العدو جريمة إنسانية إلى جرائمه التي لم يعد أحد يعرف حصرها.
وصارت “شام” رمزًا لأيتام غزة
انتشرت صورة غريبة الطلعة للطفلة في أرجاء العالم بسرعة البرق، لتحوز على تعاطف شعوب الأرض. شام الشريف ليست أول يتيمة، فقد سبقها مئات الآلاف من الأطفال الذين ملأت دموعهم كفة ذنوب العالم. فتاة ترتدي نفس الزي في صورتين مختلفتين: الأولى تفيض براءة وسعادة وأملًا وبهجة، تسمع ضحكتها الدنيا من حولها وتشعل صوت أبيها حبًا وحياة. أما الثانية، فهي صورة لنفس الطفلة في نفس الزي، لكنّ عينيها انطفأ فيهما بريق الحياة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
من علَّم تلك اليتيمة الانكسار والحزن؟ هي علامات اليتم التي جعلت العالم كله يلتف حولها، تتناقلها الصفحات، وتبكي عليها القلوب. لقد سبق أطفال غزة شام في اليتم والجوع والخوف والشوق القاتل للآباء، لكن نظراتها الصادقة حفرت فينا جميعًا شيئًا غامضًا، أيقظ إنسانيتنا الكامنة. وكما كان أبوها صوتًا لأوجاع أهل غزة، صارت شام صورةً لتلك الأوجاع، صارت صمتًا حيًا يكمل رسالته: أنّ ثمة بشرًا هنا يعانون ويتألمون، بينما ضمير العالم عاجز عن أن يرفع صوته ليوقف الطغيان.
لقد سكت صوت أنس، فأكملت شام رسالته بصمتها الحزين. تحولت من طفلة تملأ الدنيا صخبًا إلى أيقونة للأيتام المنتظرين إما الموت جوعًا أو قصفًا.
“شوام غزة” في أرقام
وقفت شام الشريف أمام العالم تعانق صورة والدها، وكأنها تستحثه أن يعود. صارت أيقونة لما يقرب من أربعين ألف طفل فقدوا آباءهم، بينهم أكثر من سبعة عشر ألفًا فقدوا كلا الوالدين، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. هكذا تحولت غزة إلى ساحة للأيتام الجياع.
الأعداد في ازدياد حتى هذه اللحظة، إلى جانب مئات الأطفال وحديثي الولادة الذين استشهدوا تحت القصف في مراكز الإيواء غير الآمنة، أو ماتوا جوعًا تحت الحصار الغاشم، في مشهد لم يعرفه التاريخ الحديث وقد نُقل مباشرة على الهواء للعالم كله.
هل توقظ عيون شام ضمير العالم؟
في الوقت الذي تتشبث فيه الأيادي الصغيرة بصور الآباء والأمهات الراحلين، يعيش هؤلاء الأطفال تحت القصف والتهديد بالاجتياح الكامل. جيش نتنياهو يهدم بيوت غزة فوق الأبرياء، مهددًا بما تبقى من إنسانية في سبيل بقائه على كرسيه المهتز. لكنه لا يدري، أو يدري ويصر على المكابرة، أن هؤلاء الأطفال لن ينسوا.
حتى وإن قُتل آباؤهم، ستنبت الأرض آلاف الآباء الذين يعلِّمون الأجيال أن الأرض التي ارتوت بالدماء والأرواح لن تُفرَّط. لقد أعلنتها شام لأبيها حين خيرها بين المكوث في غزة أو الهروب، فقالت بحسم: “لا، لن أرحل عن أرض غزة.”
فكيف ترحل وقد دفنت فيها أباها؟ وكيف بأطفال يحملون صور آبائهم الشهداء أن يتركوا أرضهم؟
ثم، ألم يحن الوقت لتحوّل تظاهرات العالم إلى فعل يوقف العدوان غير المسبوق؟ أليس من العدل أن يتحول الحزن في عيون شام وكل شام إلى أمان وأمل؟ أليس من حقها أن تعود لها ابتسامتها وصخبها البرئ؟ أليس من حقها أن تهدأ ذاكرتها قليلًا، لتغتسل إنسانية العالم من رجس صمته الطويل؟
