ماذا لو قتلت إسرائيل كل الصحفيين في غزة؟

تركيز جيش الاحتلال الإسرائيلي على خيام وتجمعات الصحفيين في غزة، المعروفة جيدًا له والتي يُفترض أنها تتمتع بحماية خاصة وقت الحروب، يؤكد أن الكيان يستهدف تفريغ غزة تمامًا من الصحفيين والمصورين، وإبادتهم قبل أن يستكمل مهمته الكبرى في إبادة بقية أهل القطاع، أو تهجيرهم لتفريغه منهم، وتحويله إلى ثكنات عسكرية، أو بؤر استيطانية جديدة، أو حتى “ريفيرا شرق أوسطية” كما أرادها ترامب، الذي يقف متفرجًا بل سعيدًا بحرب الإبادة سواء للصحفيين أو لأهالي القطاع، حتى وإن أبدى استياءً عابرًا لقصف مجمع ناصر الطبي الذي راح ضحيته 6 صحفيين جدد، بخلاف عشرات الشهداء المدنيين الآخرين.
عداد شهداء الصحافة في القطاع المنكوب يرتفع يومًا بعد يوم، والصحفيون والمصورون المحترفون يتلاشون بسرعة، ويحل محلهم هواة جدد، لم ينالوا حظًا كافيًا من التعليم والتأهيل الإعلامي، لكنهم على كل حال يتلقون التدريب العملي وبجرعات مكثفة عبر النقل المباشر للأحداث والجرائم، فالميدان أصدق تعليمًا من كليات ومعاهد الإعلام.
كتيبة الإعلام تجدد نفسها
نعود إلى عنوان مقالنا: ماذا لو قتلت إسرائيل كل الصحفيين في غزة؟ وهو سؤال لم يعد افتراضيًا في ضوء ما نتابعه من مجازر متتالية.
الإجابة المباشرة والمختصرة: أنها لو تمكنت من ذلك فسوف يمر الأمر كما مرت غيره من المجازر الأخرى، وستستكمل حربها لإبادة بقية سكان القطاع، أو دفعهم للهرب بحرًا أو برًا إلى أي مكان آخر، وبطبيعة الحال فلن يكون أسهل أمامهم من الهرب إلى الأراضي المصرية، خاصة أن جيش الاحتلال سيساعدهم في ذلك بتدمير الحواجز الحدودية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
لكن الإجابة المؤلمة للكيان أنه حتمًا لن يستطيع إبادة الصحفيين، كما لم ولن يفلح في إبادة الشعب الفلسطيني. فكما تجدد كتائب المقاومة المسلحة نفسها مع فقد قادتها وجنودها، فإن كتيبة الإعلام تجدد نفسها مع كل فقد تتعرض له.
منذ اجتياحه للقطاع، حرص العدو على إخلائه من المراسلين والمصورين، فغادر المراسلون الأجانب سواء بقرار فردي أو بناء على استدعاء من مؤسساتهم، وبقي فقط المراسلون والمصورون من أبناء القطاع.
صحفيون أصحاب قضية
في كل العالم يتنافس الكثيرون على العمل في مهنة الصحافة التي تمنح أصحابها امتيازات لا تتوفر لغيرهم، بينما في غزة بالذات يفقد الصحفيون أبسط الحقوق، بل إنهم يصبحون قبل غيرهم أهدافًا عاجلة، حيث تستهدف طائرات وقناصة العدو من يرتدون سترات الصحافة بشكل خاص.
لا يتعامل المراسلون والمصورون الفلسطينيون في غزة وغيرها باعتبارهم محض صحفيين عاديين باحثين عن سبق صحفي أو مغامرة مهنية، ولكنهم يتعاملون كمقاتلين في معركة الحقيقة. فهم أصحاب قضية قبل وبعد كونهم صحفيين، وهم الناقل الوحيد لمعاناة شعبهم إلى العالم. وقد نجحوا بالفعل في مهمتهم العظيمة، كانوا ولا يزالون في قلب الحدث، لم ترهبهم نيران العدو وتهديداته التي لا تتوقف، ولم يرهبهم تطاير الأشلاء من حولهم، ولم يهزمهم سقوط زملائهم أمام أعينهم.
حين نجح جيش الاحتلال في قتل المراسلين والمصورين الفلسطينيين المحترفين وأصحاب الخبرة، خلفهم على الفور ودون تردد جيل جديد من أبنائهم العضويين أو الاعتباريين، وأثبتوا على الفور جدارتهم بهذه المهمة العظيمة. ولو نجح جيش الاحتلال في قتل هذه الأطقم التي دخلت الخدمة حديثًا، سيحل محلها على الفور أطقم صحفية جديدة، ولن ينجح الكيان في فرض التعتيم الكامل على القطاع.
موقف دولي ضعيف
عندما وقعت مذبحة الصحفيين التي استشهد فيها أنس الشريف ورفاقه الخمسة قبل أسبوعين، نددت بعض الدول والمنظمات الحقوقية الدولية بهذه الجريمة، وتحركت بعض النقابات الصحفية لتقديم دعاوى إلى محكمة الجنايات الدولية ضد الكيان الصهيوني. وحين قتل جيش الاحتلال قبل يومين ستة مصورين جدد، كانت هناك بعض الإدانات الدولية، لكن رد الفعل بشكل عام ظل دون مستوى هذه المجازر المتتالية التي يتعرض لها صحفيو غزة.
لقد شاهدنا من قبل كيف انتفض زعماء العالم، وتدافعوا إلى مقر مجلة شارلي إبدو الفرنسية ضمن مظاهرة حاشدة ضمت مليون متظاهر (11 يناير/كانون الثاني 2015) تقدمها في ذلك الوقت الرئيس الفرنسي، وبجانبه عدد كبير من الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء. لكننا لم نجد مسيرة مماثلة لهؤلاء الزعماء إلى غزة تضامنًا مع 246 شهيدًا صحفيًا خلال أقل من عامين، وهو عدد يفوق من قُتل من الصحفيين والمصورين في الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية وحتى الحرب الأوكرانية مجتمعين.
نجح الصحفيون الفلسطينيون في غزة، وفي غيرها من مناطق المواجهات عبر الأراضي الفلسطينية الأخرى، في كسر الحصار الإعلامي الذي سعى الكيان لفرضه دوما، بهدف تسويق روايته الكاذبة. وفي حرب غزة تحديدًا، نجح هذا الإعلام في تبديد الرواية الإسرائيلية، وإيصال حقائق ما يجري على الأرض إلى الرأي العام العالمي الذي تجاوب مع الرواية الفلسطينية عبر مظاهرات ضخمة لم تتوقف حتى اليوم. بل إن الرواية الفلسطينية غزت المجتمع الإسرائيلي نفسه، ودفعته للشك فيما يقدمه له إعلامه من معلومات مضللة.
قبيل استشهاده بأيام قال أنس الشريف: “التغطية مستمرة حتى لو تم اغتيال أنس وبقية الزملاء”. وها هي التغطية مستمرة رغم كل المجازر بحق المراسلين، وستظل مستمرة ما بقي في غزة عرق ينبض.
