وجبات للغول حتى ينام!
وسائل التواصل الاجتماعي وترويض الرأي العام

من أخطر الظواهر الاجتماعية المؤثرة التي لم تنل حظها في التحليل والدراسة العميقة خلال العقدين الماضيين هي ظاهرة ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المجتمعات.
فلا شك أن هذا الميدان (بعوالمه الثلاثة: عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء) هو الساحة المحورية الأهم لضبط العلاقة بين الأنظمة والشعوب، خاصة في منطقتنا النامية التي تسمح فيها السلطوية بالسيطرة شبه الكاملة على هذا العالم والتحكم به إلى حد كبير.
ومنذ بدايات ثورات الربيع العربي في عام 2011 تأكدت معظم أنظمة الحكم في المنطقة، ذات الأغلبية الشابة، أن وسائل التواصل الاجتماعي هي الميدان الرئيسي الأول لمحاولات التغيير والتأثير ونقل المعلومات، وتشكيل الوعي وقياس الرأي العام وتوجيهه، وأيضًا ترويضه إذا لزم الأمر.
الترند.. وجبة الغول اليومية
غني عن التعريف أن تلك المنطقة، التي تحكمها أنظمة أوتوقراطية، تتعامل مع الرأي العام في الأساس باعتباره الغول الذي يجب إطعامه يوميًا بوجبات ساخنة ذات قيمة واهية، وإلا التفت الغول إلى تلك الأنظمة وصارت هي الطعام، كما حدث الأمر ضمن وقائع ثورات الربيع العربي.
فمنذ ذلك الحين أصبح الظهير الإلكتروني (الكتائب الإلكترونية) بمثابة رأس حربة لا تقل أهمية بالنسبة للأنظمة العربية عن باقي الأجهزة الإعلامية من فضائيات أو صحافة..
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
خاصة وأن أنظمة الإقليم تتفق شكلًا وموضوعًا مع ما قاله نعوم تشومسكي في نظريته عن الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام: “إن وسائل الإعلام ليست مجرد أدوات لنقل المعلومات، لكنها أيضًا أدوات للقوة والتأثير”.
ولذلك أصبح من الواجبات اليومية لتلك اللجان الإلكترونية ومشرفيها تحديد “الترند” أو الأخبار الرائجة اليومية في كل دولة، ويأتي ذلك عبر إعطاء الأمر لآلاف الموظفين في تلك اللجان الإلكترونية باستهداف موضوع معين، سواء بالبحث عنه على الإنترنت أو بالكتابة فيه، وصناعة “الهاشتاج” على نفس الاسم، وهو ما يقفز بموضوعات معينة إلى صدارة الأخبار الرائجة، وبذلك تتجه إليها الجماهير تلقائيًا.
وبالطبع يأتي ذلك على حساب تهميش وإقصاء أخبار سياسية واقتصادية وحقوقية أخرى ربما أهم منها بعشرات المرات.
ولا يحتاج الأمر إلى فطنة كبيرة لمعرفة طبيعة تلك الأخبار والاهتمامات التي تحرص الأنظمة على تقديمها أو ترشيحها لصدارة الأخبار الرائجة لدى الجماهير، فهي أخبار وإن كان بعضها ساخنًا ملفتًا، إلا أنه لا يخرج عن كونه حدثًا عابرًا ضمن “الماجريات” التي سرعان ما تسقط من ذاكرة الجماهير.
فمن أخبار وحوادث المشاهير، إلى تصريحات وخلافات الفنانين والرياضيين والشخصيات العامة، ومن مقاطع فتيات التيك توك، إلى مواعيد مباريات كرة القدم، ومن الحوادث الجنائية المحلية الغريبة للمجرمين، إلى أبطال المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحفلات الغناء.
أخبار رائجة جاهزة للعرض
والأهم من ذلك كله ألا تكون لتلك الأخبار والموضوعات خلفيات سياسية أو اقتصادية تلقي باللوم على السلطة القائمة، بل قد يحدث العكس؛ فقد يُفتعل “الترند” ويتم صناعة خبر رائج للتغطية على إخفاقات أو قرارات سياسية واقتصادية مؤثرة وكبيرة قد تمتد آثارها لعقود.
وقد تلجأ الأنظمة إلى جرابها الأمني لتستخرج منه للنشر مقطعًا ساخنًا لشخصية عامة، حصلت عليه أثناء تفتيش أمني سابق.. وقد تلجأ لإحياء قضايا جنائية ذات أبعاد اجتماعية واهتمام جماهيري، أو إلى تسليط الضوء الشديد على قضايا بعينها، فقد يستيقظ المواطن ليجد نفس الموضوع في جميع الصحف والمواقع والفضائيات والإذاعات.
وكثيرًا ما يؤدي افتعال الأخبار الرائجة دون استحقاق إلى حيرة القراء، بل أحيانًا تصل الحيرة إلى بطل “الترند” نفسه والذي لا يعرف سببًا لتصدره الأخبار، كما حدث مع بعض الفنانين المعتزلين، وذلك لأن من يشرف على تلك اللجان هو في الغالب لا يمتلك الحس الصحفي اللازم.
ولعل ما حدث مع الفنانة الكوميدية الشابة رحمة أحمد منذ عدة سنوات يوضح لنا طبيعة الأمر، فقد استيقظت الممثلة لتجد هجومًا كاسحًا متزامنًا يتهمها بالافتعال والفشل في التمثيل بعد عدة حلقات فقط من بدء الجزء الثاني لها في أحد المسلسلات، وذلك على الرغم من الإشادة بها من قبل. ومع الحيرة التي انتابت الجميع، اكتشف فريق المسلسل أن الهجوم عليها منظم وغير مبرر، وبجمل مكررة، وقد بدأ عبر لجان إلكترونية، ثم سرعان ما خلق حالة وصار من الأخبار والتقارير الرائجة، ولم يكن الأمر سوى محاولة من اللجان الإلكترونية لصنع “تريند” فني ما لشغل حيز في الأخبار الرائجة دون النظر إلى الآثار التي ترتبت على ذلك في مشوار الممثلة.
هندسة وسائل التواصل
واستنادًا إلى ما سبق، لابد من دراسة وبحث كيف تحولت ظاهرة “هيمنة وسائل التواصل” من ظاهرة عفوية ساهمت في صنع ثورات نبيلة، إلى صناعة تستولي عليها الأجهزة العميقة للدفاع عن الأنظمة.
ولبيان أهمية الأمر يمكننا القول إن ما يحدث إقليميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتجاوز فكرة إنشاء حسابات وهمية على منصات التواصل أو توجيه الذباب الإلكتروني لنشر الأخبار الموجهة أو المزيفة فقط، أو حتى صناعة “التريند” والهاشتاج لتوجيه الرأي العام.
فجميع الوقائع تشير إلى أن إدارة حسابات التواصل الاجتماعي تتم بشكل استراتيجي يشمل وجود أهداف كبرى، وتخطيطًا للمحتوى، وتحليلًا للجمهور، وقياسًا لمدى التأثير وطريقة التفكير وحجم التفاعلات، وتقييمًا للنتائج.
إذن فالأمر أكبر من مجرد تكتيكات مرحلية تخص تزييف الوعي والتلاعب بالرأي العام، ونشر الشائعات، وتشويه سمعة الأشخاص والجهات، أو حتى دعم الحملات السياسية أو التجارية.
وبالطبع هذا لا يعني أيضًا أن هناك تخطيطًا استراتيجيًا محكمًا ونموذجيًا، فالأمر متفاوت الأداء والنتائج لأنه يخضع في النهاية لمقومات كفاءة الإدارة في كل دولة أو جهة على حدة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن إسناد هذا الملف “غير النزيه” إلى ما يطلق عليه إدارات الدولة العميقة من ناحية، أو إلى التنظيمات السرية من ناحية أخرى، منع إلى حد كبير خضوع ظاهرة اللجان الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الدراسة العلمية الجادة من علماء الاجتماع السياسي والإعلام وعلم النفس، ومتخصصي الأمن السيبراني.
