نزع سلاح حزب الله.. ما علاقته بإهانة المبعوث الأمريكي لوسائل الإعلام اللبنانية؟

توم باراك في المؤتمر الصحفي الذي أهان فيه الصحفيين اللبنانيين (الاناضول)

على خلفية قضية نزع سلاح حزب الله اللبناني، اشتعلت الساحة اللبنانية الداخلية.. استياءً، وغضبًا، وسخطًا.. على وقع إهانة المبعوث الأمريكي توم باراك، وتعنيفه لممثلي وسائل الإعلام اللبنانية، في حضرة الرئيس اللبناني جوزيف عون. وذلك خلال المؤتمر الصحفي المنعقد في قصر بعبدا الرئاسي، له ومرافقيه أمس (الثلاثاء).

فعندما تعالت أصوات الصحفيين، وتداخلت الأسئلة لِباراك.. احتد على الإعلاميين، منفعِلًا، واصفًا سلوكهم بالفوضوي، الحيواني، مهدِّدًا بالمغادرة. ومُتقمِّصًا دور المندوب السامي (لقب الشخص الذي يدير البلاد المُحتلة بريطانيًا)، ولغته الاستعمارية المتعالية، آمرًا لهم بالتحضُّر، واللطف، والتسامح.

هذا، رغم أن ما جرى من الصحفيين، عاديٌّ جدًّا، ويحدث في المؤتمرات الصحفية في العالم كله، حال تغطية الأحداث الساخنة، وليس أسخن من موضوع نزع سلاح حزب الله، الراهن في لبنان.

الإعلاميون وسلوكهم الحيواني والفوضوي


«باراك»، في غمرة انفعاله، قال: «إن الفوضى الإعلامية، تعكس مشكلة أوسع في المنطقة». لتكون هذه الكلمات الأخيرة كاشفة عن صميم مهمته، بضبط شؤون «المنطقة»، والخلاص من محور المقاومة، الذي تعتبره الذهنية الأمريكية-الإسرائيلية.. رمزًا للسلوك الفوضوي، الحيواني الذي أسبغه باراك على سيدات ورجال الإعلام اللبناني.

لذا، فاليوم باراك في جولات مكوكية بين أمريكا، وسوريا، ولبنان لتصفية حزب الله كفصيل مقاوم، بتجريده حالًا من السلاح، وغدًا حماس.. يليهم الحشد الشعبي العراقي، وجماعة أنصار الله الحوثية اليمنية، وقبلهم تقليم أظافر سوريا.

هذا كله استعدادًا للحرب الأمريكية-الإسرائيلية الكبرى على إيران. لتكون مواصفات «منطقة الشرق الأوسط»، كما يريدها رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو.. هشّة، هينة، خاضعة، مُستباحة للكيان الصهيوني يسرح فيها ويمرح كيفما شاء.. دون مقاومة أو عوائق.

زلة لسان.. أم غطرسة استعمارية أمريكية؟


كلمات «باراك» لـ«ممثلي وسائل الإعلام اللبنانية» لم تكن مجرد «زلة لسان» أفلتت من كوابحها في عقله الباطن، بل عكست الغطرسة والروح الاستعمارية التي يتعاطى بها الأمريكان مع العرب عمومًا.

فقد بدت لهجته آمرة، مُتعالية، فوقية، خالية من اللياقة الدبلوماسية.. تنطوي على إهانة للبلد المضيف كله. «سلوك باراك» استنهض غضبًا واسعًا لدى مكونات الجسم الإعلامي اللبناني. مثلما أثار حفيظة الأوساط الإعلامية، والسياسية، والشعبية اللبنانية. فأصدرت الرئاسة اللبنانية بيانًا ناعمًا، لتهدئة خاطر الإعلاميين دون تسمية باراك، وهو ما خلّف موجة من الانتقادات.

رئيس لجنة الإعلام والاتصالات في البرلمان اللبناني الدكتور إبراهيم الموسوي (من ممثلي حزب الله) أصدر بيانًا استنكر فيه «منطق السفاهة، والاستعلاء الأمريكي» لموفد الوصاية الأمريكية باراك، في مخاطبته للإعلاميين داخل القصر الجمهوري. لافتًا إلى أن هذه الإهانة الفادحة، التي نطق بها هذا الموفد.. تُجسّد جوهر الروح العدوانية الأمريكية المتوحشة، وافتقاد أي قيمة أخلاقية. نقابات الصحافة والإعلام اللبنانية طالبت وزارة الخارجية الأمريكية بالاعتذار علنًا عمّا بدر من المبعوث الأمريكي بحقهم، وإلّا فإنهم بصدد اتخاذ خطوات أكثر تصعيدًا.

الشيخ نعيم قاسم.. شرط السيناتور الجمهوري غراهام؟


عودة لمهمة «المبعوث الأمريكي توم باراك» في لبنان، وهي نزع سلاح «حزب الله»، العدو اللدود، والخصم العنيد للكيان الصهيوني، والذي ألحق به الهزائم غير مرّة. فقد سبق له تقديم ورقة إلى لبنان بهذا الشأن، تشمل: حصر السلاح بيد الجيش، وآلية دولية للمراقبة بطائرات مُسيَّرة، وأقمار صناعية، مقابل انسحاب إسرائيل تدريجيًا من «جنوب لبنان»، وتحويله إلى منطقة عازلة تحوي مشروعات اقتصادية. الحكومة اللبنانية وافقت في الشهر الحالي على تبنّي الورقة، وتكليف الجيش اللبناني بإعداد «خطة لنزع سلاح الحزب»، لتنفيذها قبل نهاية العام الحالي. الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم استبق زيارة باراك، بإطلالة متلفزة (الاثنين).. جدّد فيها التشديد على موقف الحزب الرافض للتنازل عن السلاح.. قائلًا: «من يريد نزع سلاحنا، فإنه ينتزع منا الروح، وهيهات منّا الذلّة».

وكان قد اتهم الحكومة قبل أسبوعين، بالخضوع لأجندة وإملاءات أمريكية-إسرائيلية، مُحذِّرًا من حرب أهلية تقضي على الحياة في لبنان. باراك، والمبعوثة الأمريكية المرافقة له، شدَّدا في المؤتمر الصحفي بقصر بعبدا الرئاسي (الثلاثاء)، على أنه إذا عجزت الحكومة اللبنانية عن تجريد الحزب من سلاحه، فإن إسرائيل يمكنها مساعدتها في هذا العمل، وهو ما كرره «نتنياهو» في تصريح له منذ ساعات، مُعرِبًا عن استعداد دولة الاحتلال لمساعدة لبنان في نزع سلاح الحزب. السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام اشترط في المؤتمر الصحفي نفسه نزع السلاح أولًا.. قبل مجرد السؤال عن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني.

قواعد الاشتباك لحرب إسناد غزة


لماذا الإلحاح والتعجُّل لنزع سلاح حزب الله؟ هناك قناعة لدى «إسرائيل» بأنها ألحقت هزيمة كبرى بحزب الله في حرب الإسناد الأخيرة لغزة (من 8/10/2023 – 27/11/2024)، وهي قناعة يتشارك فيها فرقاء لبنانيون مناهضون للحزب. من ثمّ، تحرّكت الولايات المتحدة لإنجاز مهمة نزع سلاح الحزب قبل أن يستعيد عافيته. على أنه لا يمكن القطع بفرضية فقدان الحزب لعافيته، وأنه لن تقوم له قائمة بعد الضربات التي تلقّاها في حرب الإسناد. فلهجة الشيخ نعيم قاسم في إطلالاته الأخيرة ارتفعت حدّتها، ونبرة الحسم فيها، بما يعكس –ربما– تطورًا باستعادة اللياقة العسكرية للحزب. صحيح أن خطوط الإمداد عبر الأراضي السورية قُطعت، لكن معلوم أن الحزب في الحرب الأخيرة ظل محكومًا بقواعد اشتباك لا يتخطّاها.. نتيجة قيود إيرانية صارمة، لمنع اندلاع حرب إقليمية واسعة لم تكن إيران تريدها وقتها. وربما لم يستخدم ما بحوزته من صواريخ، قد تكون ذات قدرات تدميرية عالية (على شاكلة ما تمتلكه جماعة أنصار الله اليمنية الحوثية). بينما، حان أوان استخدامها الآن، أو عند الضرورة. في حال تجريد الحزب من السلاح، ومع ما عليه الجيش اللبناني من غياب للتسليح الجيد.. سيكون مكشوفًا بلا أي رادع لأي عدوان عليه.

كلنا يعلم أن إسرائيل لا تفي بأي تعهّدات، وأن الضمانات الأمريكية تتلاشى أمام النزعات العدوانية الإسرائيلية. كما أن «انسحاب إسرائيل» من الأراضي اللبنانية هو استحقاق عليها وفقًا للقانون الدولي، ولا يجوز ربطه بأي شروط. لكنها غطرسة القوة في الزمن الأمريكي-الإسرائيلي الساعي للهيمنة التامة على مقدّرات المنطقة.

نسأل الله السلامة للبنان، والنصر للمقاومة الفلسطينية في غزة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان