استمرار نمو تجارة الدول الإسلامية مع أمريكا

رغم المساندة الأمريكية للإبادة الجماعية في غزة بالسلاح والمال، وتسهيل وصول المتطوعين للجيش الإسرائيلي، وإنكار وجود مجاعة، وعدم الاكتراث بضحايا التجويع والقتل الممنهج خلال عمل المنظمات الإنسانية، والإمداد بالمعلومات الاستخبارية، ومنع مجلس الأمن من إيقاف الحرب في غزة، والموافقة على كافة ما يتخذه نتنياهو من عمليات عسكرية متكررة، وتعطيل سبل حدوث هدنة، فقد استمر نمو تجارة الدول الإسلامية مع الولايات المتحدة.
فبعد أن زادت قيمتها في العام الماضي بنسبة 7.4% مقارنة بالعام الأسبق، زادت قيمة تجارة الدول السبع والخمسين الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي مع الولايات المتحدة بنسبة 13.4% في النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي، حسب البيانات الأمريكية، لتصل إلى حوالي 170 مليار دولار مقابل 150 مليار دولار، بزيادة 20 مليار دولار.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وشملت الزيادة الصادرات الإسلامية إلى الولايات المتحدة في النصف الأول من العام الحالي بنسبة 13%، كما زادت الواردات الإسلامية من الولايات المتحدة بنسبة 14% في نفس فترة المقارنة. وهو أمر يمكن إرجاعه إلى سيطرة كثير من حكومات تلك الدول على نصيب كبير من تلك التجارة، وسعيها لإرضاء الرئيس الأمريكي الذي يستهدف تقليل العجز المزمن في التجارة الخارجية، من خلال فرض مزيد من الرسوم الجمركية على دول العالم، خاصة الدول التي تحقق الولايات المتحدة معها عجزًا تجاريًّا مزمنًا، بل والدول التي تحقق معها فائضًا مثلما حدث مع البرازيل.
تراجع الصادرات النفطية لأمريكا
كذلك، وجود رجال أعمال تربطهم مصالح ممتدة مع الولايات المتحدة، خاصة من غير المسلمين، ساهم في نمو التجارة. والنتيجة أن الولايات المتحدة في النصف الأول من العام الحالي حققت زيادة بقيمة التجارة مع 35 دولة إسلامية، منها 13 دولة عربية مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. كان أبرزها خمس دول خليجية، إضافة إلى مصر والمغرب والأردن ولبنان وتركيا وإندونيسيا وماليزيا وبنغلاديش وباكستان ونيجيريا.
وقد شملت الدول العشرين التي انخفضت تجارتها مع الولايات المتحدة السعودية والعراق والجزائر وليبيا، في ظل توجه الولايات المتحدة لتقليل واردات النفط بعد تحولها إلى دولة مصدّرة للنفط، سواء الخام أو المكرر.
قائمة دول واردات النفط الخام في النصف الأول من العام الحالي بالولايات المتحدة تشير إلى تصدر كندا بنسبة 64.2% من الإجمالي، والمكسيك بـ6.8%، ليصل نصيب الدولتين الجارتين إلى 71%. بينما بلغ نصيب الدول الإسلامية مجتمعة 17.3% من واردات الخام الأمريكي.
وهكذا استطاعت الولايات المتحدة، التي تعاني من عجز تجاري ممتد منذ عقود، تحقيق فائض تجاري مع 35 دولة إسلامية. بل إن بعض تلك الدول احتلت مراكز متقدمة بقائمة دول الفائض التجاري الأمريكي مع دول العالم في النصف الأول.
إخفاق ترامب في خفض العجز التجاري
ولا ينبغي أن تصيبنا بيانات زيادة التجارة الإسلامية مع الولايات المتحدة بالإحباط، بل يجب أن تكون حافزًا لتنشيط عمليات المقاطعة للسلع الأمريكية، وهو ما سيؤدي إلى خفض المستوردين لكميات تلك السلع، مما يضغط على الشركات الأمريكية الموردة، ويدفعها لتذكير الإدارة الأمريكية بتضررها وإمكانية انعكاس ذلك على تصويت العاملين بها في الانتخابات المقبلة.
بل ينبغي امتداد تلك المقاطعة إلى التجارة الخدمية مع أمريكا كالسياحة والخدمات المصرفية والتأمينية والثقافية، وإلى الاستثمار بأنواعه المباشر والحافظة، وإلى الودائع المصرفية هناك.
وكذلك التوجه إلى مزيد من التجارة البينية بين الدول العربية والإسلامية، بما يزيد من فرص العمل ويقلل معدلات البطالة والفقر، وبما يمكّن كثيرًا من مواطني تلك الدول من مساعدة أهل غزة بالمال والطعام والدواء، بعد تواطؤ وتخاذل القادة، واكتفائهم ببيانات الشجب والتنديد التي لا تسد الجوع والظمأ ولا توقف القتل اليومي للعشرات.
وهنا يمكن أن يتدخل المثبطون للمقاطعة بالقول إن نصيب الدول الإسلامية من التجارة الأمريكية في النصف الأول من العام الحالي بلغ نسبته 6% فقط، كمتوسط بين نصيبها من الصادرات الأمريكية البالغ 7% ونصيبها من الواردات الأمريكية البالغ 5.4%. إلا أن هذا النصيب مُركز بعدد غير كبير من الشركات الأمريكية، بما يمكنه من التأثير في نتائج أعمال تلك الشركات. كما ظهر مؤخرًا عامل إضافي، وهو فشل إجراءات ترامب الجمركية في تقليل العجز التجاري الأمريكي حتى الآن.
فنتائج التجارة الأمريكية في النصف الأول من العام الحالي، الذي شهد رفع نسب الجمارك الأمريكية، تشير إلى بلوغ قيمة الصادرات الأمريكية لدول العالم 1 تريليون و77 مليار دولار، بزيادة 51 مليار دولار عن نفس الفترة من العام الماضي بنسبة نمو 5%. بينما زادت الواردات الأمريكية بنحو 199 مليار دولار بنمو 13% لتصل إلى 1.766 تريليون دولار، مما زاد من قيمة العجز التجاري بنحو 148 مليار دولار بنسبة نمو 27% ليصل إلى 690 مليار دولار. بل إن نسبة الصادرات الأمريكية إلى الواردات تراجعت إلى 61% مقابل أكثر من 65% في النصف الأول من العام الماضي.
استمرار تصدر الصين لدول العجز
وربما يقول آخرون إن الدول الإسلامية قد حققت فائضًا تجاريًّا مع الولايات المتحدة في النصف الأول من العام الحالي بقيمة 21.5 مليار دولار. لكن هذا الفائض مُركز بعدد قليل من الدول الإسلامية أبرزها ماليزيا بقيمة 15.88 مليار دولار، وإندونيسيا بـ11.77 مليار دولار، وبنغلاديش بـ3.8 مليار دولار، وكازاخستان بـ2.9 مليار دولار. مما يعني أن العجز مع ماليزيا وإندونيسيا معًا فقط، البالغ 27.66 مليار دولار، أكبر من الرقم الإجمالي للعجز مع الدول الإسلامية مجتمعة.
ومن ناحية أخرى، فإنه إذا كان العجز التجاري الأمريكي مع الدول الإسلامية السبع والخمسين مجتمعة قد بلغ 21.5 مليار دولار، فقد بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين وحدها في النصف الأول من العام الحالي 111.5 مليار دولار، أي بنسبة 16% من مجمل العجز مع العالم، رغم نسب الجمارك العالية التي فُرضت عليها. ومع المكسيك بلغ العجز 96 مليار دولار، ومع أيرلندا 82 مليار دولار، ومع فيتنام 81 مليار دولار، ومع تايوان 56 مليار دولار، تليها سويسرا وألمانيا واليابان والهند وكوريا الجنوبية وتايلاند وكندا وإيطاليا.
والنتيجة أن ماليزيا، وهي أكبر دولة إسلامية حققت أمريكا معها عجزًا، جاءت في المركز الرابع عشر بين دول العجز الأمريكي، كما جاءت إندونيسيا في المركز الخامس عشر.
وهكذا فإن المأزق الأمريكي كبير، ويتوقع استمراره لفترة مقبلة. ولهذا فإن انخفاض الفائض الأمريكي الذي حققته الولايات المتحدة مع 35 دولة إسلامية في النصف الأول من العام الحالي إذا تم خفض التجارة معها، يمكن أن يزيد من إخفاق ترامب في تقليل العجز باستخدام الرسوم الجمركية، مما يزيد من فرص تدهور موقف حزبه الجمهوري التصويتي في الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس.
