توم باراك.. “لبناني” في نادي الصفاقة الأمريكية!

الصفاقة مع الصحافة ليست جديدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي منع صحفيين من دخول البيت الأبيض وحضور مؤتمراته، وفرض قيودًا على حركة الصحفيين المكلّفين بتغطية وزارة الدفاع في مبنى البنتاغون، ويبدو أن معاونيه وخاصته ينتهجون طريقته. فوسط ضجيج معتاد من اختلاط المراسلين الصحفيين بطواقم التصوير وفرق البث التلفزيوني والإذاعي خلال المؤتمرات الصحفية، وبين الأسئلة المتلاحقة من الصحفيين، صعد المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك إلى المنصة قبل أيام في قاعة المؤتمرات بقصر بعبدا مقر الرئاسة اللبنانية، وبدأ موجّهًا كلامه للصحفيين في القاعة يأمرهم بالانتظار بلهجة سريعة ومتكررة وبعصبية واضحة.
لم ينتظر باراك، وهو سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى تركيا، أي رد من حضور المؤتمر الصحفي، وإنما أكمل طلقاته الكلامية بلهجة متعالية: “من فضلكم التزموا الصمت، وفي اللحظة التي تبدأ فيها الأمور بالفوضى والسلوك الحيواني، سنغادر.. تصرّفوا بتحضّر، ولطف، وتسامح، لأن هذه هي مشكلة ما يحدث في المنطقة”.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وبينما ابتسمت الدبلوماسية الأمريكية مورجان أورتاجوس التي كانت تقف بجواره في المؤتمر الصحفي بعد اجتماع مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، فإن ردودا غاضبة صدرت عن الرئاسة اللبنانية ونقابة المحررين في لبنان التي طالبت باعتذار واضح عن الإساءة. كما أدانتها نقابات عربية، وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي المقطع المسيء وسط تعليقات هجومية، ترافقت مع رفض متصاعد لزيارة باراك لجنوب لبنان، خاصة مع تبنيه خطة لنزع سلاح حزب الله، مما تسبب في إلغاء زيارته للخيام وصيدا بسبب اتهامات له بالانحياز إلى إسرائيل.
الصورة العكسية
لا ينكر الدبلوماسي الأمريكي توماس جوزيف باراك أصوله المتواضعة بل يفخر بها: “أنا لا أزال ابن بائع بقالة، وميزتي التنافسية هي أنني ابن أبي”. وبعكس الصورة المتعجرفة التي بدا عليها هذا الأسبوع في مؤتمر صحفي بالقصر الرئاسي في لبنان، فإنه رغم وجود اتهامات سابقة له باستغلال النفوذ السياسي مقابل مصالح تجارية، فإن قيم التواضع والاجتهاد كانت أبرز ما يميز ملامح الصورة الذهنية المأخوذة عن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، الذي ناهز الرابعة والسبعين، والذي تعود جذور عائلته –للمفارقة– إلى مدينة زحلة اللبنانية عاصمة محافظة البقاع (52 كيلومترًا شرق العاصمة بيروت).
وُلد توماس جوزيف باراك في لوس أنجلوس عام 1947 لأبوين مسيحيين من أصول لبنانية، حيث هاجر جداه الكاثوليكيان إلى الولايات المتحدة عام 1900 واستقرا في كاليفورنيا عاصمة الغرب الأمريكي. وتشير مصادر محلية أمريكية إلى أن باراك ينتمي إلى الموارنة، وهي طائفة كاثوليكية شرقية معروفة في لبنان، لكن وسائل الإعلام الأمريكية لم تسجل له أي نشاط ديني بارز، مثل المشاركة في احتفالات دينية أو ما شابه ذلك، حيث يبقى الدين جزءًا من تراثه العائلي، لا من نمط حياته.
نشأ توم في بيئة بسيطة؛ كان والده بائعًا في محل بقالة صغير في مدينة كولفر بولاية كاليفورنيا، وكانت عائلته تكافح من أجل توفير الاحتياجات اليومية، كما كانت والدته تعمل سكرتيرة. وفي وسط هذه العائلة المكافحة حصل توم على بكالوريوس من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1969، وعلى شهادة في الحقوق من جامعة سان دييغو عام 1972.
ترامب والعقارات
بدأ باراك العمل في مجال العقارات، وبفضل اجتهاده ومثابرته استطاع تكوين ثروته الخاصة، وأسس عام 1991 شركة «كولوني كابيتال» (Colony Capital)، التي تحولت إلى صندوق استثمار عقاري يدير أصولًا ضخمة في العالم، حيث يستثمر أكثر من نصف مليار دولار في ألمانيا ونحو 200 مليون دولار في منطقة الشرق الأوسط.
تعرّف باراك على ملياردير العقارات دونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي، ونشأت بينهما صداقة وتقارب في الرؤى التجارية أولًا، ولاحقًا في السياسية، حيث تشاركا معًا في صفقات مهمة، مثل شراء فندق بلازا مقابل 410 ملايين دولار عام 1988. وهناك معاملات تجارية متعددة بين قطبي العقارات، حيث قدّم باراك تسهيلات مالية لمقربين من ترامب، مثل شراء صفقة ديون خاصة بجاريد كوشنر الملياردير اليهودي وصهر ترامب وزوج ابنته إيفانكا.
احتجاز وبراءة
كان لباراك دور في شبكات تربط مستثمرين عربًا بالدوائر الأمريكية، وذُكر اسمه في تقارير رصدت محاولات جهات خارجية التأثير في السياسات الأمريكية عبر المقربين من ترامب. ومن بين تلك التقارير ما أصدرته لجنة الرقابة في الكونغرس الأمريكي، التي ألمحت إلى أن باراك حاول استخدام علاقته بالبيت الأبيض لتعزيز مصالح تجارية وتسهيل صفقات بين شركات أمريكية ودول أجنبية.
وفي يوليو/تموز 2021، وُجهت إلى توم باراك تهم «التأثير السياسي غير المعلن» ومحاولة دعم مصالح دول أجنبية مستغلًّا علاقته الوثيقة بترامب خلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021)، وتم احتجازه. وأثناء محاكمته، عبّر باراك عن إيمانه الدائم بأن علاقته بترامب ستكون عامل جذب لاستثمارات خارجية، لكنه نفى تبادل النفوذ السياسي مقابل مصالح تجارية. وفي عام 2022 تمت تبرئته، وسط نقاش عام حول حدود العلاقة بين عالمي المال والسياسة وتأثير التداخل بينهما في عملية صنع القرار في دوائر السياسة الأمريكية.
من المال إلى السياسة
لم يقترب باراك من العمل السياسي كثيرًا رغم كونه جمهوريًّا، إلا بعد أن ترشح صديقه دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية في 2016، حيث عمل مستشارًا للحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري، ومثّله في وسائل الإعلام مرارًا، وكان من كبار الداعمين لحملات جمع التبرعات لصالح ترامب. وبعد فوزه، رأس توم لجنة الاحتفال بتنصيب ترامب رئيسًا بعد نجاحه على حساب الديمقراطية هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
بعد إعلان فوزه وقبل تنصيبه رئيسًا، أعلن دونالد ترامب في ديسمبر 2024 تعيين توم باراك سفيرًا للولايات المتحدة لدى تركيا، مشيدًا بقدراته وخبرته وبكونه صوتًا محترمًا ومحل ثقة. ثم تم إقرار تعيينه بقرار من مجلس الشيوخ الأمريكي في إبريل/نيسان 2025، حيث وافق عليه 60 عضوًا مقابل اعتراض 36، وتسلم مهمته الجديدة في مايو/أيار الماضي. وبعد أسبوع واحد في منصبه الجديد، وسّع ترامب صلاحيات صديقه توم حيث عيّنه مبعوثًا خاصًّا للولايات المتحدة الأمريكية إلى سوريا.
باراك في المنطقة
توسط باراك لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا في يوليو/تموز الماضي، وشجّع على نزع سلاح الفصائل المختلفة في سوريا، وزار دمشق والتقى الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وأشرف على توقيع مشروع لتوفير أكثر من نصف احتياجات سوريا من الكهرباء باستثمارات خارجية.
ولم يقتصر نشاط باراك على سوريا، بل تمددت صلاحياته بدعم ترامب طبعًا إلى الملف اللبناني. وفي يوليو/تموز الماضي قدّم باراك خطة للحكومة اللبنانية تهدف إلى نزع سلاح حزب الله تدريجيًّا، مقابل انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان وتعزيز سيادة الدولة. وقد تلقى استجابة رسمية لبنانية، وضمن خطته أعلن باراك عن استعداد المملكة العربية السعودية وقطر للاستثمار في منطقة اقتصادية بجنوب لبنان، لاستقطاب عناصر حزب الله للعمل المدني بعد نزع سلاحهم، مع تعزيز الجيش الوطني اللبناني ليكون بديلًا عن قوات الأمم المتحدة.
رفض حزب الله الخطة التي واجهت احتجاجات شعبية في الجنوب اللبناني، زاد من حدتها تعليقات باراك التي اعتُبرت مهينة للصحفيين. ويبدو للمراقبين أن باراك، الذي زار إسرائيل أيضًا خلال جولته الحالية، يقود جهودًا ومباحثات سرية بين بيروت وتل أبيب لتحقيق وقف إطلاق النار وضمان تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، مع نزع سلاح المقاومة اللبنانية وتعزيز دور الجيش في الجنوب.
يقود باراك جهودًا دبلوماسية لترتيب أوضاع في المنطقة حسب المصالح الأمريكية، لكن رغم أصوله اللبنانية البعيدة، التي لا يبدو أنه فخور بها مثل أبيه، فإن الطريقة التي تحدث بها للصحفيين ليست جديدة على الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب، الذي أسس ناديًا للصفاقة مع الصحفيين، وليس غريبًا أن يكون صديقه المقرب توم باراك عضوًا أساسيًّا فيه.
