مستشار الرئيس السوري ودعوته لحل تنظيم الإخوان!!

لا يختلف شعار الإخوان المسلمين في سوريا عن شعار الجماعة الأم إلا من حيث كتابة اسم البلد (الجماعة - فيس بوك)

كتب الدكتور أحمد موفق زيدان مقالا نشر على موقع “الجزيرة نت”، بعنوان: متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟ وقد ثارت نقاشات كثيرة حول المقال ما بين مؤيد أو رافض له، وسوف أناقش المقال هنا من زوايا عدة لا تتعلق بالقبول أو الرفض، فهو في نهاية الأمر مقال سبقه نصائح من دوائر مقربة من الرئيس السوري أحمد الشرع، وسواء فهم ذلك على أنه نصائح تشي عن توجهات للسلطة، أم نصائح لتجنب الإخوان صداما مع السلطة الجديدة.

قرار الجماعة نفسها:

وإن كان عنوان المقال ولغته لا يوحي بلغة الأمر، بل جعل هذا الأمر مرده إلى الجماعة نفسها، وهو ما يعني أنه نصائح شخصية، وإن كان القارئ لن يفصل بين زيدان المستشار الإعلامي للرئيس، وبين زيدان الإعلامي، فيصعب في عالمنا العربي التفريق بين الأمرين، وبخاصة في أمر حساس كهذا الموضوع، يتعلق بجماعة كبرى كالإخوان، لها تاريخها في سوريا والعالم العربي والإسلامي، وهو ما سيفسر بأنه توجه سلطوي، وبخاصة بعد نزول المراقب العام للإخوان السوريين السابق علي صدر الدين البيانوني، ونقل ذلك بلقطات لم تحدث مع غيره، هل من باب التهيئة ليقوم بدور في القرار، كل ذلك يصعب أن يفصل عن مقال زيدان، وعن توجه السلطة ورغبتها فيما كتبه زيدان.

لقد بنى زيدان مقاله وفكرته في حل التنظيم، على أساس أن سوريا الجديدة لا تقبل بالتنظيمات، وأن الوضع الجديد يقتضي من الإخوان تقديم مصلحة سوريا الجديدة، وأن للإخوان تجربة سابقة حين حلت نفسها عندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958م، وأن هناك دولا قام الإخوان فيها بحل أنفسهم، مثل: قطر، والسودان حيث قام الترابي بالخروج وعمل تجربة جديدة متحالفا مع العسكر في السودان، وتونس وحزب النهضة، وحماس حين فكت ارتباطها بالتنظيم.

اتفاق مع المبدأ وخلاف حول أسبابه:

بداية لست ضد أن يقوم الإخوان في قُطْر ما بحل التنظيم، والعمل بشكل آخر يتوافق مع القوانين المنظمة في البلد الذي يعيشون فيه، سواء كانوا مواطنين أم مقيمين، فالفكرة من حيث المبدأ لست ضدها، بل عندما علمت من بعض الباحثين السوريين، أن هناك تفكيرا في ذلك، أصدرت “فيديو” على قناتي على “اليوتيوب”، جلبت عددا من التجارب التي قام بها حسن البنا نفسه، في إطار المراجعات في العمل، فليس الشكل التنظيمي أمرا يتعبد به الإخوان، كما أفهم من فكرتهم وطوال تاريخها، فقد جرت تعديلات كثيرة على الجماعة وأطرها التنظيمية، بل وأفكارها، وبخاصة العمل السياسي، وهناك مراجعات مهمة ونادرة غير معلومة عن مراجعات حسن البنا في عمل الجماعة السياسي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكني مختلف مع زيدان في الأدلة التي ساقها لإقناع الإخوان بذلك، ولا أراها أدلة وجيهة، بل غير مقنعة، ولو أردنا أن نناقش الإخوان نقاشا مفيدا، نقدم فيه مصلحة الوطن، ومصلحة الأمة، فكان ينبغي أن يسير الحوار والنقاش مسارا آخر.

قرار سوري أم خارجي؟

فلا بد أولا من فهم سياق النصيحة، التي هي مطلب أساس للسلطة الجديدة في سوريا، هل هذه النصيحة، أو هذا التوجه، نابع عن مصلحة عامة، أم عن مصلحة خاصة، أم عن مصلحة دولة معينة، لا تحب الإخوان، ولديها استعداد أن تصاب بكل آفات الدنيا، ولا ترى الإخوان بخير، أو يذكرون في بلد ما بخير؟ هذا سؤال مهم، ينبغي الإجابة عنه: هل القرار يصدر عن شأن سوري بحت، عندئذ على الإخوان أن تقدم هذه المصلحة المهمة، وتقوم بحل التنظيم، والعمل وفق آليات أخرى، غير الطريقة التي تضر بسوريا، إن ثبت ذلك بيقين، أو بدرجة تقترب منه.

أما إن كان القرار نابعا عن مصلحة شخصية، ينتج عنه استئثار فئة بالحكم، لإخلاء الميدان كله من أي معارض، أو ما يمكن أن يكون معارضا، فهنا خطر كبير على سوريا وعلى التجربة، والذين يقدمون النصائح اليوم للإخوان، سيجمعهم والإخوان مكان واحد، يعزي بعضهم بعضا وقتها، حين يكونون بعداء عن السلطة كلها، وبعداء عن المشهد، وأعتقد أن هذا الأمر ليس مفيدا، ولا نتمناه، لكن دروس التاريخ تعطيه مجانا لكل عاقل.

أو كان القرار نابعا من ضغط دولة أو دول، لاستبعاد الإخوان، أو فصيل ثوري، فإذا كانت البداية تدخلا سافرا بهذا الشكل، فمن يضمن بعد القبول بهذا الطلب، لا يطلب أمور أخرى هي من صميم السيادة السورية، ومشهد تدخل نتنياهو في شأن داخلي كما في أزمة السويداء، لا ينبغي أن يغيب عن العقل السوري، فالتدخلات لا تنتهي، والاستجابة لمطالب من هذا النوع لا تقف عند حد معين، فإذا كان المطلوب ألا يكون الإخوان في المشهد السلطوي، فهو حادث بالفعل، وليس لهم أي وجود في أي مؤسسة، سواء كانت سيادية أو غير سيادية.

استشهاد بتجارب دون الحديث عن نتائجها:

هذه أمور لم يتم نقاشها، ولم يتم وضع الإخوان -فيما أعلم- في الصورة فيها، كما أن هناك أمرا لافتا للنظر، في كل من ينصح الإخوان بحل التنظيم، هو الاستشهاد بتجارب إخوانية سابقة، وكل هؤلاء يستشهدون بقرار الحل، ولا يستشهدون بنتائج التجربة، فالترابي الذي يستشهد به بتجربته انتهت بنهاية مأساوية للترابي نفسه، وعلى يد من خرج من التنظيم بتنظيم جديد متحالفا معهم، وقال عبارته الشهيرة: الثورة تأكل أباها. في إشارة لما فعله معه عمر البشير، وما فعله معه ثوار العسكر في السودان.

وإذا كان مطلوبا من الإخوان في سوريا أن يكون نسخة مكررة من تجربة الشيخ راشد الغنوشي، الذي كان نموذجا للإسلامي المستنير، والإسلامي المتفاهم والمتصالح مع الجميع، فماذا كانت نتيجة تصالحه وتفاهمه وتجربته؟ هل شفع للرجل وسطيته واعتداله؟ هل شفع له تاريخه وتجربته؟ بل كان التعامل القاسي والعنيف بحكم لا يمت للعدالة بصلة، ورفض استمراره في السياسة.

وأستطيع أن أذكر كل تجربة تم حل التنظيم فيها، للأسف لم تصل لنتيجة مغايرة عن وجود التنظيم، وأقول للأسف، لأني كنت أتمنى لهم النجاح الباهر، ليكون سبيلا جديدا نحاجج به المصرين على التنظيم بشكله الحالي والقديم، حتى تجربة تركيا، والاستشهاد بالرئيس رجب طيب أردوغان، ليس من الإنصاف في البحث أن نذكر قرار أردوغان الخروج على أربكان، وننظر لجانب وننسى جوانب يشكو منها الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية التركي.

فشكواهم واضحة، لقد راهنوا على رضا الناخب التركي بالملف الاقتصادي، وخدمة المواطن التركي، بخدمة تجعله مرتبطا بالحزب والتجربة، وهو ما لم يحدث مع التجربة، إلا مع جيل كبار السن، الذين رأوا الفرق بين تركيا ما قبل أردوغان، فأين الشباب الجديد؟ تنبئنا نتائج الانتخابات الأخيرة عن الإجابة، وهي شكوى من قيادات كبيرة في الحزب، أن دورهم التربوي والدعوي غاب، وأنهم يعيشون على الرصيد الذي تركه أربكان، وهو ما جعلهم يبحثون عن حليف في هذا الجانب، وفتح مساحات للعمل الخيري والصوفي، بغية أن يضيق الهوة التي بينهم والشباب والجيل القادم في تركيا.

ما ضمانات القرار لو اتخذه الإخوان؟

والسؤال الأهم هنا: إن الإخوان منذ سقوط بشار، وهم غائبون عن المشهد، لحساسية موقفهم، ولم يرصد لهم موقف واحد فيه تطلع لمنصب، أو تطلع لبروز، سواء كان ذلك لعدم وجودهم القوي في المجتمع السوري حاليا، أو لاستشعارهم الحساسية وحرصهم على نجاح التجربة، ولو لم يكونوا في صدارة المشهد، وهو أمر يحسب لهم لا عليهم.

فإذا قاموا بخطوة حل التنظيم، فماذا سيكونون؟ وإذا كان من مسوغات الطلب بالحل، هو عدم رضا الداعمين عن وجودهم كتنظيم، فهل هناك ضمانة بوجودهم كمواطنين لهم حق المشاركة في مجالات المشاركة كلها؟ وما ضمانات ذلك، لقد جرب الإخوان تجارب كثيرة، فعلوا هذا الأمر، وكانت النتيجة أن انتظر الحليف معهم حتى استقوى، ثم انفرد بالسلطة، أو القرار، واستدار لينكل بهم، وينكل بشركاء التجربة بوجه عام، حدث ذلك في مصر في يوليو، وفي بلدان أخر.

ما الضمانات التي تقدم لكل من سيحل نفسه؟ ومن سيقوم على صياغة شكل المؤسسات المقبلة في سوريا، فلا يوجد برلمان، ولا توجد مؤسسات سوى مؤسسة الرئاسة، والمؤسسات المدنية الأخر، ليس من المطمئن أن تقوم مؤسسة الرئاسة منفردة بوضع قوانينها، ولا صياغة موادها، فلا بد من إشراك المجتمع بكل مكوناته، وما يقال عن الإخوان سيقال عن قوى مدنية أخرى يسري عليها الكلام نفسه، فالصيغة القانونية التي ستطبق على الجميع، لن يرفضها أحد ما دامت تحقق المصلحة العامة والخاصة معا.

متى تستدعى حكمة الإخوان ومتى تهاجم؟!

بقيت نقطة أتعجب منها في مقال زيدان، لقد استشهد بأن الإخوان قاموا بحل التنظيم لأجل الوحدة مع عبد الناصر، رغم أن ناصر كان يقيم المذابح للإخوان في مصر آنذاك.

ولا أدري متى يستشهد السوريون بحكمة الإخوان ومتى لا يستشهدون؟ فالموقف نفسه حين اتخذته (حماس) مع إيران كحليف، نسوا مصلحة المقاومة، وركزوا في دورها في سوريا فقط، فلماذا لم يتخذ موقف الإخوان نموذجا يتعاملون به مع (حماس)، كما تعامل إخوان مصر مع سوريا، ولم نسمع مقالا أو ملاما من إخوان مصر يتهم فيه إخوان سوريا بالتحالف مع جزار يذبح إخوانهم؟ متى نستدعي حكمة الإخوان فنشيد بها، ومتى نراها بيعا للمبادئ، وتفضيلا لدم عن دم؟!

وحين أصدر إخوان مصر بيانا يدعمون فيه إيران في حربها ضد إسرائيل، قام إخوان سوريا بإصدار بيان تحت ضغوط محلية سورية، قاموا بمهاجمة إخوان مصر هجوما عنيفا، رغم أنه تأييد لمظلوم في حالة ظلم الكيان له، وإن كان المظلوم هذا كان ظالما في حالة أخرى، استنكرها إخوان مصر والمقاومة، لكن الإخوة السوريين لم ينظروا وقتها هذه النظرة، وهو ما يلاحظ في مواقف للسوريين قبل سقوط بشار وبعده، فلم ينظروا للمصلحة العامة، بل نظروا للثأر فقط حين كانت إيران داعما لبشار، وهو ما نلاحظه في مواقف عديدة، نرى فيه التناقض في الممارسة والمواقف لدى الإخوة السوريين، فيقعون في جل ما كانوا ينكرونه على المقاومة في تحالفاتها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان