حين ارتدّت نار التجويع إلى نتنياهو نفسه!

مقطع الفيديو للأسير الإسرائيلي في غزة أفيتار دافيد، الذي نشرته كتائب الشهيد عز الدين القسام أمس (السبت)، من داخل أحد الأنفاق، كان صادما وقاطعا في تجسيد المجاعة المتفشية هناك. جاء بمثابة زلزال ضرب في مقتل الدعاية الإسرائيلية، ومن ورائها الأمريكية، التي تنكر المجاعة في غزة. بدا الأسير دافيد داخل النفق في حالة انهيار صحي، وهزال شديد، وبروز لعظامه بفعل سوء التغذية. كلماته تقطر مرارة وحسرة، إذ قال إنه يحفر قبره بيديه، استعدادا للرحيل عن الدنيا، متهما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتخلي عنه وتركه يحتضر. وتحدَّث بصعوبة عن جدول طعامه، وكيف أنه لم يأكل منذ أيام، إذ يتناول طعاما ليوم واحد، يتلوه يومان أو ثلاثة بلا طعام، ويسجل أيام الطعام والجوع في لوحة معلَّقة على حائط النفق.
إذاعة الجيش الإسرائيلي.. ومحرقة غزة
أنهت “القسام” المقطع بـ”رسالة حاسمة بثلاث لغات”، قالت كلماتها: «لن يعودوا إلا بصفقة»، وأرفقت صورا لأطفال غزة الذين يموتون بفعل سلاح التجويع الذي يستخدمه الاحتلال. ليكون “المقطع” فضيحة مدوية للكيان الصهيوني وجيشه، وضربة قاصمة لمصداقية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومبعوثه ستيف ويتكوف، الذين لا يخجلون -مثل نتنياهو- من إنكار المجاعة التي تلتهم أرواح الغزاويين بالعشرات يوميا.
المجاعة طالت الأسرى الإسرائيليين أيضا، لكونهم يعيشون ظروف الحصار نفسها التي يعيشها أهالي غزة. فتحوَّل الفيديو إلى نار أشعلت الداخل الإسرائيلي، فانفجرت الاحتجاجات، وبات آلاف الإسرائيليين ليلتهم في الشارع، منددين بـ”نتنياهو”. في خطبته، لفت أحد زعماء المحتجين إلى أن إسرائيل لم تعد وطنا آمنا لليهود، فهي لا تحميهم وتتركهم للموت بلا مبالاة، وكأنه أراد القول إن الكيان لم يعد الجنة الموعودة التي توهموها حين حلّوا من الشتات. وهذا سيكون له أثره في تزايد الهجرة العكسية التي بدأت منذ طوفان الأقصى (7 أكتوبر/تشرين الأول 2023).
مزاعم سرقة حماس للمساعدات.. ومجازر صبرا وشاتيلا
اعترفت وسائل الإعلام العبرية بالمجاعة في غزة، وطالبت نتنياهو بوقف الحرب فورا واستعادة الأسرى. فوصفت إذاعة الجيش الإسرائيلي ما يجري في غزة بأنه “محرقة برعاية الحكومة”، وطالبت باتفاق شامل ينهي الحرب.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
بينما نصح زعيم المعارضة يائير لابيد نتنياهو وأعضاء حكومته بأن يشاهد كل منهم فيديو “الأسير” قبل النوم، ليفكر في معاناته من الجوع. أما عائلته، فقد توسلت إلى ترامب ودول العالم للتدخل وإنقاذ ابنهم دافيد من الموت جوعا.
إنكارا للمجاعة، ودفاعا عن سياسة التجويع التي تمارسها إسرائيل، يتبجح نتنياهو وترامب ومبعوثه ويتكوف، زاعمين كذبا أن حماس تسرق المساعدات، في محاولة يائسة لتشويه المقاومة وتأليب أهالي القطاع عليها، للضغط عليها كي تقبل الإملاءات الإسرائيلية-الأمريكية بتسليم سلاحها.
وذلك ليتسنى للاحتلال مواصلة المجازر بحق سكان غزة، وتهجيرهم دون مقاومة، على غرار مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982، التي ارتكبتها إسرائيل بمساعدة ميليشيات لبنانية عميلة عقب خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت.
جرائم حرب ومصائد للموت.. ومسرحية ويتكوف
تزامنا مع زيارة ويتكوف “المسرحية” لمراكز توزيع الأغذية التابعة لـ”مؤسسة غزة”، التي هدفت إلى غسل سمعة الكيان وإدارة ترامب من عار التجويع، عقد زعماء العشائر في غزة مؤتمرا صحفيا أدانوا فيه المعاناة والقتل اليومي في سبيل الحصول على الغذاء، وسياسة التجويع التي تُمارَس ضدهم، ونفوا عن حماس تهمة سرقة المساعدات.
وأشاروا إلى أن “مؤسسة غزة الأمريكية” المسماة زورا “الإنسانية”، بعيدة جغرافيا عن السكان، ومن يتردد عليها يذهب إلى الموت. فقد وثّق مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان (التابع للأمم المتحدة) استشهاد 1373 فلسطينيا، منذ 27 مايو/أيار، بنيران الجيش الإسرائيلي أثناء انتظارهم للمساعدات في غزة المحاصرة، من بينهم 859 شهيدا في محيط مراكز التوزيع التابعة للمؤسسة، و514 شهيدا على طول مسارات القوافل، مما يعني أن تلك المساعدات ليست سوى “مصائد للموت”، كما وصفها ضابط أمريكي سابق عمل مع المؤسسة.
وقد أكد “مركز الحقوق الدستورية” في نيويورك ضلوع المؤسسة في جرائم حرب، وتواطؤها مع الاحتلال.
عصابات مسلحة لإثارة الفتنة
أما مزاعم سرقة حماس للمساعدات، فقد نفتها تقارير لمنظمات دولية وأممية. وأكد تحقيق داخلي لوكالة التنمية التابعة للحكومة الأمريكية زيف تلك الادعاءات. وتشير تقارير صحفية إلى أن السرقة تتم بواسطة عصابات مسلحة دفع بها جيش الاحتلال إلى شمال وجنوب غزة لإثارة الفوضى، ومن ثَم اتخاذها ذريعة لتبرير الحصار ومنع المساعدات.
كما أكدت منظمات حقوقية أن الادعاءات الإسرائيلية والأمريكية بشأن سرقة المساعدات تفتقد أي دليل أو توثيق، خاصة في ظل احتلال أجزاء واسعة من القطاع.
من النار التي أشعلها نتنياهو.. احترق بأسراه
لقد كشف مقطع فيديو الأسير أفيتار دافيد المجاعة التي أصابت الجميع، حتى “الجنود المختطفين” كما يسميهم الاحتلال، وهز الداخل الإسرائيلي الذي طالما تغاضى عن الجرائم اليومية ضد الفلسطينيين.
أفاق الإسرائيليون من سُكر الدعاية الحكومية، التي نزعت الإنسانية عن سكان غزة، وتعاملت معهم كـ”حيوانات” تستحق السحق، على حد تعبير وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
لكن من أشعل نار التجويع لا بد أن يكتوي بها، وقد اكتوى بها نتنياهو نفسه، حين صار الجوع ينهش أسرى جيشه.
نسأل الله السلامة لأهلنا في غزة، والنصر للشعب الفلسطيني.
