بعد انفجار الفقاعة العقارية بالصين.. الانهيار قادم!

بجرة قلم، شطبت بورصة هونغ كونغ أسهم ثاني أكبر شركة عقارية في الصين إيفرجراند من شاشات التداول بداية الأسبوع الماضي، فتبخّرت في ثانية واحدة أصول بقيمة 51 مليار دولار تحت وطأة ديون بلغت نحو 310 مليارات دولار، وسط أزمة عقارية أوسع بدأت عام 2021.
جاء الشطب بعد إعلان إفلاس الشركة مطلع 2024، فلم يكن محو أسهمها مجرد حادثة مالية عابرة، بل صدمة مدوية هزت ثقة المستثمرين والمشترين في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
فالشركة التي كانت رمزا للطفرة العقارية الصينية وجدت نفسها غارقة في ديون هائلة، تُعد أكبر حالة تعثر لشركة عقارية في التاريخ الحديث. هذا الانهيار فتح باب الشكوك حول قدرة حكومة بيجين على حماية مصالح المستثمرين والمشترين، وتوجيه الاقتصاد نحو النمو والمنافسة مع الولايات المتحدة، وهي تحمل بداخلها قنبلة موقوتة اسمها فقاعة العقارات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
صدمة المستثمرين والمواطنين تأتي من اعتماد الحكومة الصينية المفرط لعقود على توجيه أموال طائلة من السيولة المتراكمة بالبنوك ومدخرات الأفراد للاستثمار العقاري ومشروعات البنية التحتية، في قناعة تامة بضرورة التوسع والبناء غير المحدود، لأن المستهلكين في النهاية سيأتون، وعندها سيكون البناؤون والمستثمرون هم الفائزون.
في قلب العاصفة
تشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتباط الاستثمار العقاري بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، ويتعلق بشكل مباشر وغير مباشر بالقطاع العقاري. كانت إيفرجراند في قلب هذه المعادلة، لأنها اعتمدت على الدعم الحكومي وأموال البنوك ومدخرات 1.6 مليون عميل تكالبوا على الاستدانة من البنوك وتوجيه المدخرات العائلية نحو المضاربة على الشراء للحصول على وحدة سكنية أو الاستثمار في مشروعاتها التي تمت في 280 مدينة صينية.
حين تهاوت الشركة تحت وطأة الديون، وجد ملايين المشترين والمساهمين أنفسهم أمام كابوس اقتصادي واجتماعي: 1.4 مليون وحدة سكنية لم تُستكمل، وثروات العمر ضاعت في البورصة أو جُمِّدت في وحدات إسمنتية خاوية، تقع أغلبها في مدن الأشباح التي لم يسكنها بشر.
الصدمة لم تكن مجرد انهيار شركة كبرى، بل انهيار ثقة الجمهور في السوق العقارية والبنوك التي ضاربت بمدخرات الناس، وفي ثقافة الادخار والاستثمار، وزادت القلق من المستقبل، واهتزت ثقة المستثمرين في صلابة الاقتصاد الصيني، بعد أن أظهر انهيار إيفرجراند هشاشة كبريات الشركات العقارية المدعومة من الدولة أو التابعة للقطاع الخاص، مثل كانتري جاردن وصيناك الخاضعتين لإعادة الهيكلة، وشيماو التي تتجه إلى التصفية، وفانكي التي وُضعت تحت الرقابة المالية، وجرين لاند المتخلفة عن سداد ديونها الخارجية، وشينيوان وآويان اللتين أُعلن إفلاسهما أكثر من مرة خارج الصين.
أزمة خانقة
أصابت الأزمة العقارية الاقتصاد في مقتل، إذ بلغت ديون القطاع المطلوب شطبها والمشكوك في تحصيلها نحو 5 تريليونات دولار، تقترب من 30% من اقتصاد يبلغ ناتجه الإجمالي 18 تريليون دولار.
الأزمات المتتالية لأكبر شركات وبنوك محلية وشركات تطوير عقاري وإنشاءات طرق و”كباري” وضعت سوق العقارات في حالة شلل، إذ انخفضت مبيعات العقارات خلال العامين الأخيرين بنسبة 30%.
ومع تراجع رغبة المستهلكين في الشراء، رأينا عروضا مغرية من جانب المطورين والبائعين في مدن كبرى مثل بيجين وشنغهاي وتيانجين، تقدم خصومات تصل إلى 40% عند الدفع النقدي أو تهدي العميل شقة صغيرة بمساحة 43 مترا في حالة شراء شقة بمساحة 120 مترا.
وفي مدن أخرى كبيرة انخفضت إيجارات الوحدات السكنية ويُعرض على المشترين شقة مجانية لكل صفقة تشمل شراء أربع وحدات، مع تسهيلات في السداد تصل إلى 30 عاما بدعم من البنوك الحكومية، وفي المدن الصغيرة يُعرض تجهيز الشقة وسيارة حديثة لمشتري الوحدة.
كما بدأت الشركات الحكومية وإدارة المناطق الصناعية والتكنولوجية في مدن كبرى مثل شنتشن وهانغتشو وقوانغتشو وسوتشو تمنح المستثمرين مكاتب وأماكن عمل بلا مقابل لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بهدف جذب شركات ناشئة وتقنيات متقدمة.
ورغم كثرة الإغراءات، ظلت استجابة المشترين ضعيفة، بما أثر في نمو الاقتصاد، الذي تراجع لأقل من 5% خلال السنوات الأربع الماضية، بينما كان يحافظ على نسبة نمو بلغت 12% خلال العقد الماضي.
العرب في الفخ الصيني
رغم أن الأزمة العقارية تبدو محلية، فإن آثارها المدمرة في الاقتصاد الصيني بدأت تتسرب إلى العالم العربي، وبخاصة الدول الأكثر ارتباطا بشراكة تجارية مع بيجين، والتي تحذو نحو نموذجها التنموي، ومنها مصر والسعودية والإمارات والمغرب وموريتانيا والجزائر.
فقد رُصد مؤخرا انخفاض في الطلب الصيني على المواد البترولية عامة، وتراجع في الاستثمارات بالمنطقة، وانخفاض في شراء مواد البناء المصرية من رخام ورمال ومنتجات نفطية، وكذلك استيراد الحديد الخام من الجزائر وموريتانيا تأثرا بانخفاض الطلب الصيني على الصلب وركود مشروعات البناء، كما تراجع إقبال المستثمرين الصينيين على شراء العقارات في دبي ومصر والمغرب بعد أن تآكلت مدخراتهم وتعرضت شركاتهم الكبرى للغرق.
الدرس المستفاد
وقعت الصين في فخ العقارات، وهو الفخ نفسه الذي تتجه إليه مصر وكثير من الدول العربية التي تتخذ من شعار الصين الهالك: ابنِ ثم ابنِ ثم ابنِ، وسيأتيك المشترون يوما ما لتربح الشركات والمستثمرون، دون أن يتعظ البناؤون من قصة شركة متعثرة أصبحت مرآة كاشفة لكل الاختلالات العميقة في النموذج الاقتصادي الصيني، الذي يعتمد بكثافة على التنمية المرتبطة بالعقار والديون بلا حدود، والتوسع المفرط في بناء المدن الجديدة والأبراج الفاخرة والسكن غير المطلوب من أغلبية الشعب، وغير المناسب للطبقة المتوسطة، ولا يفي باحتياجات الفقراء.
قد تكون المشروعات العقارية الضخمة محركا للنمو في بعض الأوقات، خاصة في البلدان ذات الكثافة العالية مثل الصين ومصر، ولكنها تتحول إلى عبء ثقيل إذا لم تُبنَ على طلب حقيقي وتنويع اقتصادي يضمن النمو الشامل لكل عناصر الاقتصاد: الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمات. وإلا فإن شبح إيفرجراند قد يطاردها هي الأخرى بأسرع وقت، ولن يجني الشعب منها إلا مدن الأشباح والديون وانهيار البنوك والشركات وضياع الثقة في الاقتصاد وواضعي سياساته المهلكة.
