بورقيبة وعبد الناصر..وكتاب في أوانه

مؤلفات لطفي حجي عن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة (منصات التواصل)

أعادني كتاب الإعلامي والباحث لطفي حجي “بورقيبة ومعارك عصره: شهادة الابن البار محمد الصياح”، إلى مقارنات مع عبد الناصر وبين تونس ومصر، طرأت مع ترددي على تونس والإقامة بها مراسلاً صحفياً مهتماً بتحولات البلد بعد الثورة اعتباراً من 2011 وحتى 2019.
ذكرني بصور لمحمد مزالي رئيس وزراء بورقيبة (1980 ـ 1986) في أرشيفات الصحف التونسية بالمكتبة الوطنية هناك، أدهشتني وهو يجلس منتصب القامة في ندوة أمام الرئيس زعيم الاستقلال، يضع ساقاً فوق ساق، وينظر إلى عينيه مباشرة.
تلفت شهادة الصياح وزيراً وقيادياً بالحزب الحاكم، الملقب “بالبورقيبي الأخير” لوفائه للزعيم الرئيس إلى وفاة كليهما، الانتباه إلى المتشابه والمختلف بين عبد الناصر وبورقيبة، الذي ولد في 3 أغسطس/آب 1903.
وهذا الكتاب/الشهادة الحوارية أحد أضلاع رباعية بعنوان “البورقيبة من الداخل”، تتضمن أيضاً نقاشات مطولة مع أحمد المستيري وأحمد بن صالح، المقربين بدورهما من بورقيبة، ولدورهما في بناء دولة الاستقلال، وإن انتقلا خلال حكم الزعيم الرئيس إلى معارضته.

جناية الشيفونية
ومبالغاتها وانغلاقها وخداعها

أن تقيم بتونس وتجوب مختلف مدنها، فترى بعينيك، وتتكلم مع الناس من مختلف الانتماءات الاجتماعية والثقافية والعمرية بمثابة فرصة ثمينة، تطرح فرضية لم تكن لا على الخاطر ولا البال للقادم من مصر والمشرق.
تتلخص هذه الفرضية في جناية مبالغات وقصر نظر وأحادية الشيفونية على فهمنا للعالم ولأنفسنا، وكيف تسهم في الظن بأن بلدك وحده عظيم، بل الأعظم، وزعيمه فريد في التوجهات والإنجازات؟ وهذا خداع يصطنعه الجهاز التعليمي والدعائي، الذي نشأنا ووعينا من خلاله منذ خمسينيات القرن العشرين، ويعززه ضيق مجال النظر لما حولنا، وعند دول استقلت بدورها بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت المقارنة عبر إمعان النظر للواقع والحوار مع التونسيين من مختلف الانتماءات الاجتماعية والثقافية والعمرية، وفي حياتهم اليومية، كفيلة باستنتاج أن ما تحقق من خدمات ورعاية اجتماعية وصحية وثقافية للمواطن في تونس بورقيبة، الذي يقال بأنه حليف النظام الرأسمالي، يفوق أو لا يقل في كثير من المجالات عما كان للمواطن في مصر عهد عبد الناصر “حليف المعسكر الاشتراكي”.
بل المدهش أن تدرك آثاراً باقية لسنوات “الاشتراكية” على الطريقة التونسية البورقيبية أوضح وأعمق وأهم وأقوى منها لدينا بمصر.
وكمثال، يحتج شباب تونسيون حتى اليوم مطالبين بحقهم على الدولة في العمل والاستقرار الوظيفي، وهي ثقافة حقوق، يضاف إليها فرص وإمكانات تنظيم وحركة، اندثرت عند المصريين منذ عقود.

اكتشاف المتشابهات


أعود لكتاب حجي، فألاحظ متشابهات من قبيل أن إعلان تبني الاشتراكية “الدستورية” تونسياً و”العربية” مصرياً في البلدين جاء قبيل منتصف الستينيات، مع إرهاصات تسبق بسنوات معدودة لتنمية معتمدة على الذات وتخطيط دولة، أنجزا معدل نمو بالبلدين فاق 5% سنوياً، وصناعة إحلال واردات، مع احتكار الدولة للتجارة الخارجية، وغيرها من مظاهر رأسمالية الدولة، أو “اشتراكية” وإن كانت ليست محل اعتراف من اليساريين كافة.
خلف هذا التبني، والذي لا يخرج عن سياق عالم ثالثي وتحرر وطني أعم، تتشابه المبررات والسياقات هنا وهناك، كالقول بإحجام رأس المال الخاص الأجنبي فالمحلي عن إطلاق التنمية بعد جلاء المستعمرين، وكون تبني هذه “الاشتراكية” لا يأتي بدوافع أو اختيارات عقائدية، ففي الحالتين تتقدم “التجربة” و”الاضطرار” لا الأيديولوجيا.
وتتشابه المواقف عند بورقيبة، وفق شهادة الصياح، وعبد الناصر ضد صراع الطبقات واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني، مع مخاوف أو مبررات مدعاة تخشى انقساما يصيب دولة مستقلة ناشئة، تحتاج لهذا النوع من الوحدة من أجل التنمية واستكمال البناء وفي مواجهة المخاطر الخارجية، وبالتالي لصيغة “الحزب الواحد”.
في الحالتين، يجرى استخدام لعبة ضرب اليمين باليسار واليسار باليمين، وبما في ذلك دور جهاز الدولة بتوجيه من الزعيم الرئيس أو الرئيس الزعيم في صعود الإسلام السياسي لمواجهة صعود اليسار المعارض، ثم فعل العكس.

اختلافات ذات دلالة


في تقييمنا وغيرنا، أسس عبد الناصر وبورقيبة، مع تباين خلفياتهما المدنية/العسكرية وتكوينهما الثقافي والسياسي، لدولة الاستبداد البوليسية بعد جلاء المستعمر، وأخفقا كليهما أيضاً في السماح للشعبين بما يستحقان من ديمقراطية وحريات تؤمن الحفاظ على المنجزات الاجتماعية والوطنية، والمضي فيها.
مع هذا، كانت العلاقات داخل السلطة وقمة جهاز الدولة الحاكم عند تونس بورقيبة أكثر مرونة وتفاعلاً وأخذا ورداً، ومن ذلك مثلاً لا حصراً استقالة وزراء مع هامش تعبير لافت عن الاختلاف مع الزعيم الرئيس، ثم العودة مجدداً للحكومة وقيادة الدولة والحزب الحاكم، وإن ظلت للأساليب غير الديمقراطية والانتقامية مفعولها في حسم الخلافات بقمة السلطة/الدولة، والتنكيل بالخارجين أو المبعدين، وبمحاكمات سياسية موجهة.

بورقيبة أريحا
وتحرير فلسطين


قال الصياح إن بورقيبة أجاب عندما سأله عن اتفاق أوسلو 1993 حين زيارته بإقامته الجبرية بعد الانقلاب عليه 1987، هي: “قليل جداً متأخر جداً”.
ويخصص الكتاب فصلاً لعلاقة بورقيبة وعبد الناصر، مع تمييز يتكرر للاختلاف بين ما يراه “الابن البار” منهج “العقلانية والاعتدال” عند الأول و”الشعاراتية” عند الثاني.
واعتنى الإعلام بتونس فور صدور كتاب حجي بجديد قول الصياح إن بورقيبة أبلغ عبد الناصر بدعوته القبول بقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين 1947 تحدياً وإحراجاً لإسرائيل وداعميها، وقبل أن يعلنها في خطاب أريحا 3 مارس 1965 خلال جولته بالمشرق العربي، وإن الزعيم المصري وافقه وشجعه، ولكن امتنع عن الاستجابة لرغبة أن يعلن المذيع الناصري أحمد تأييد الدعوة مسبقاً، ثم أطلق عليه حملة تخوين شرسة، بلغت في القاهرة تنظيم مظاهرة غاضبة أحرقت مقر السفير التونسي.
وقبل سنوات لاحظت بعض منتجات حملة التخوين في مطبوعات مصرية تعود للستينيات بمكتبة “الأهرام”.
ولأن قضية خطاب أريحا يمكن إعادة قراءتها مع استعمار فلسطين للآن وتزايد معاناة شعبها، والجدل حول سياسة الدولة المصرية تاريخياً وحاضراً، عدت إلى تسجيل صوتي كامل للخطاب، مع الاستفادة من شهادة الصياح وملاحق بالكتاب، ومصادر أخرى.
ولاحظت أن الخطاب دام لنحو 25 دقيقة، كان محل ترحيب وتصفيق مع الهتاف باسم بورقيبة من متلقيه اللاجئين الفلسطينيين، وحتى نهايته.
وإنصافاً للتاريخ وليس لبورقيبة وحده، فقد جاء الترويج لمنهجه الواقعي، الذي يقوم على خذ وطالب والاستقلال عبر المراحل وكسب تأييد المجتمع الدولي، مقترناً بمطالبته بالكفاح الفلسطيني المسلح وباستمراريته للقضاء على الاستعمار في فلسطين بكاملها، والإعداد الفعلي الجاد لجولات حربية قادمة لا محالة، وبما يضمن النصر وتجنب نكبة أخرى.
كما لم يطرح بورقيبة مباشرة، لا في خطاب أريحا أو غيره من وثائق مكتوبة منشورة أو مسموعة توافرت أمامي، الاعتراف بإسرائيل، أو التطبيع معها ولو على نحو غير مباشر، بل ظل يبشر بصراع ممتد، غايته ونهايته تصفية الصهيونية، مع طول النفس وعلى مراحل، وبحسن الإعداد حضارياً وعسكرياً.
هذه سياسة أظنها مختلفة عما وصل إليه النظام الرسمي العربي، وإلى محطة إعلان نيويورك 30 يوليو/ تموز 2025، ما يجعلنا نتساءل: ألا تختلف “واقعية بورقيبة” عما بلغته “واقعية” اليوم؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان