نزع سلاح حزب الله بين الضغوط الخارجية وتوازنات الداخل

الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم (رويترز)

من جديد، تصدّر ملف سلاح حزب الله المشهد السياسي، وأعاد خلط أوراق الداخل اللبناني، مع تصاعد الضغوط الأمريكية على الحكومة في بيروت، وربط أي تقدم في المفاوضات مع إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الضربات الجوية بقرار رسمي بنزع سلاح الحزب.
تُعد مسألة نزع سلاح حزب الله من أكثر القضايا تعقيدًا وتشعبًا في السياسة اللبنانية والإقليمية، فهي ليست مجرد مسألة فنية أو إدارية، بل مسألة تحمل أبعادًا سيادية، وسياسية، وطائفية، وإقليمية في آنٍ واحد.
في خطابه في 31 يوليو/تموز 2025، بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس الجيش اللبناني، خاطب الرئيس جوزيف عون جميع الأطراف اللبنانية بما في ذلك حزب الله، مؤكدًا على حصرية السلاح بيد الجيش وقوى الأمن.
تصريح الرئيس اللبناني، جاء بعد زيارات متكررة لمبعوثين أمريكيين وأوروبيين طالبوا بخطوات ملموسة باتجاه نزع سلاح حزب الله وجعلوها شرطا مسبقا لأي مساعدات مالية أو أمنية.
بالنسبة للعرض الأمريكي الذي قدّمه المبعوث توم براك، تضمّن خريطة طريق مدتها أربعة أشهر، تبدأ بنزع السلاح مقابل انسحاب إسرائيل من النقاط الحدودية التي تحتلها، مع دعم سنوي مباشر للجيش اللبناني بقيمة مليار دولار. لكن المقاربة جاءت في إطار ضغط مزدوج: وعود بالمساعدة، مقابل تصعيد سياسي وإعلامي وربما عسكري إن لم تستجب الحكومة اللبنانية.
هذا الموقف أثار موجة واسعة من الجدل الداخلي، لا سيما في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على جنوب لبنان، وتراجع قدرة الجيش اللبناني على تغطية الحدود أو السيطرة على كافة الجبهات.
ووفقًا لتصريحات مسؤولين لبنانيين، تضمن الطرح الأمريكي خطة مدتها أربعة أشهر لتسليم أسلحة الحزب الثقيلة، مقابل دعم مباشر للجيش اللبناني وتمويل طويل الأمد لإعادة بناء المؤسسات.

حزب الله يرفض ويؤكد دور المقاومة

لكن في المقابل، أكد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، أن “السلاح ليس مطروحًا للتفاوض”، مؤكدًا أن “وظيفة المقاومة لم تنتهِ طالما أن التهديد الإسرائيلي قائم”، واعتبر أن كل من يطالب الحزب بتسليم سلاحه في الوقت الراهن يخدم المشروع الإسرائيلي، وحذّر من أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستكون لها عواقب كارثية.
تقف وراء المطالبة بنزع سلاح حزب الله غاية سياسية ومشروع إقليمي في ثوب لبناني، خاصة مع وجود أطراف غربية وإقليمية ترى في حزب الله عقبة أمام مشروع التطبيع مع إسرائيل وإعادة صياغة النظام الأمني في الشرق الأوسط.
ولذلك، فنزع سلاح الحزب ليس مجرد مطلب داخلي لبناني أو قضية تتعلق بترتيب الوضع الأمني، بل هو في جوهره مشروع سياسي إقليمي له أبعاده العميقة.
الولايات المتحدة تسعى، من خلال هذا الطرح، إلى تحقيق عدة أهداف:
أولًا، تقليص النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة، باعتبار حزب الله الذراع الأقوى لإيران في المشرق العربي، إذ إن تفكيك بنية الحزب العسكرية يعني فعليًّا خسارة طهران لورقة ضغط إقليمية بالغة الأهمية.
ثانيًا: تأمين الحدود الشمالية لإسرائيل، وتعزيز جبهة الردع بعد مواجهات 2024 التي كشفت هشاشة العمق الإسرائيلي أمام الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة.
ثالثًا: نزع سلاح الحزب سيوفر لتل أبيب هامشًا استراتيجيًّا أوسع لتعزيز أطماعها في الجنوب اللبناني، لا سيما فيما يخص نهر الليطاني.
رابعًا: تريد الولايات المتحدة تهيئة البيئة السياسية اللبنانية لتكون أكثر قربًا من المحور الغربي، وإعادة هيكلة السلطة اللبنانية على أسس مختلفة، والتخلص من معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي حكمت المشهد اللبناني منذ عام 2006.

معادلة الردع: سلاح الحزب وغياب البديل

منذ حرب يوليو/تموز عام 2006، أسس حزب الله اللبناني معادلة ردع متقدمة مع إسرائيل، تجاوزت في فاعليتها قدرات الجيش اللبناني نفسه.
على مدار السنوات السابقة، أثبتت هذه المعادلة فاعليتها خلال تصعيدات عدة مع الاحتلال الإسرائيلي، آخرها في عام 2024، حين تمكن الحزب من فرض قواعد اشتباك جديدة عبر استهدافات دقيقة للعمق الإسرائيلي، وتعطيل قدراته الجوية لبعض الوقت.
استطاع حزب الله خلال سنوات أن يراكم ترسانة صاروخية نوعية، إضافة إلى قدرات إلكترونية وطائرات مسيّرة دقيقة، جعلت منه قوة من الصعب تجاوزها في أي حسابات أمنية إقليمية. وهذا ما يفسر  جانبا من الإصرار الأمريكي والإسرائيلي على تفكيك بنية الحزب العسكرية، ليس فقط في إطار السياق اللبناني، بل ضمن مشروع أوسع يستهدف تحجيم النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة كلها.
لكن نزع سلاح حزب الله دون بديل ردعي حقيقي على الأرض، وفي ظل ضعف قدرات الجيش اللبناني، يعني من منظور الحزب وحاضنته الشعبية، والعديد من المراقبين، تفكيك خط الدفاع الأول في مواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل على لبنان، ومقدمة لتصفية القضية الفلسطينية وتكرار سيناريوهات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، خاصة مع استمرار الطموحات الإسرائيلية بضم مياه نهر الليطاني، وتثبيت واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية.
من ناحية أخرى، تكمن خطورة أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة أو بقرارات حكومية منفردة في أنها قد تؤدي إلى انقسام في المؤسسة العسكرية، أو إلى تمرد مدني من قبل جزء من المجتمع اللبناني، الذي يرى في حزب الله أكثر من مجرد تنظيم عسكري، بل قوة حامية ومقاومة في آنٍ واحد.

ثلاثة سيناريوهات مطروحة ومخرج مطلوب

أمام هذا الواقع، فإن الدولة اللبنانية تقف أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:
أولًا: سيناريو توافقي تدريجي، يقوم على تسوية وفق اتفاق داخلي وإقليمي يتم من خلاله ربط تسليم حزب الله لسلاحه بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وتوفير ضمانات دولية للردع. يرافق ذلك إدماج سياسي لحزب الله وتطوير قدرات الدولة اللبنانية.
ثانيًا: سيناريو المواجهة، في حال استمر الضغط الخارجي على الحكومة اللبنانية لإصدار قرار حكومي بنزع السلاح دون توافق داخلي، فإن ذلك قد يقود على الأرجح إلى مواجهة مسلحة بين الجيش والحزب، تؤدي إلى تفكك مؤسسات الدولة، وتعزز سيناريو الفوضى، وربما التدخل الخارجي المباشر، سواء عبر قوى دولية أو اعتداءات إسرائيلية موسعة.
ثالثًا: سيناريو المراوحة، في حال رفض الحزب تسليم السلاح، واستمر على وضعه الحالي، وتجنبت الحكومة المواجهة المباشرة، بينما يستمر الضغط الدولي والعقوبات.
يبقى السؤال: ما هو المخرج الآمن حتى لا ينزلق لبنان نحو المجهول؟
يحتاج لبنان إلى مقاربة واقعية متعددة الأطراف، تقوم على حماية سائر طوائف المجتمع سياسيًّا وأمنيًّا، وتأخذ في الحسبان المخاوف الوجودية لسائر اللبنانيين وتضمن تمثيلًا سياسيًّا عادلًا لجميع طوائف المجتمع.
لا يمكن تصور الحديث عن احتكار الدولة للسلاح دون تطوير حقيقي للجيش اللبناني، وتعزيز قدراته النوعية، في ظل عدم امتلاكه قدرات صاروخية، أو وجود دفاع جوي، وقوات جوية قادرة على حماية البلاد.
هناك من يرى أن المطالبة بنزع سلاح حزب الله تخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، لا بالضرورة الشعب اللبناني.
وبين الضغط الأمريكي المتصاعد لإعلان رسمي بنزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي، ووعود بالدعم، يعيش لبنان وضعًا فارقًا يمثل فرصة وتهديدًا في وقت واحد. النجاح فيه يتطلب توازنًا دقيقًا بين إرادة الدولة، ومستقبل لبنان بوصفه وطنا لجميع مكوناته، وحرصًا على سيادة تنقذ البلاد من دائرة الوصايات الإقليمية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان