لماذا تصمت “النسويات” حين تُذبح نساء غزة؟

في واحدة من أكثر المقابلات صدمة -ليس لنا- وإنما للمجتمع الغربي، واجه الصحفي البريطاني بيرس مورغان، الذي كان سابقًا من أبرز الأصوات الغربية المدافعة عن الكيان الإسرائيلي، زعيمة الاستيطان الصهيونية دانييلا فايس، بسؤال إنساني خالص:
«كأم وامرأة، ألا تشعرين بأي تعاطف مع قتل أكثر من 20 ألف طفل في غزة؟».
فايس، التي تقود واحدة من أكثر الحركات الاستيطانية تطرفًا، لم تُبدِ أدنى اضطراب في ملامحها. ابتسمت ابتسامة باردة، أشبه بابتسامة الشيطان حين يُطمئن نفسه بأن الشر الذي يمارسه مبرَّر.
تهرّبت من السؤال، وأعادت الأسطوانة المشروخة: «حماس تستخدمهم كدروع بشرية».
لكن مورغن لم يكن يلاحقها بحجج سياسية، بل كان يبحث عن شيء آخر، ربما أراد منها لحظة تعاطف تحسن صورة الكيان المهزوز في عيون الغرب، أو إحساسا بشريا، أو أي علامة على أن ما يحدث في غزة يلامس -ولو ذرة- من أمومتها.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كرر السؤال سبع مرات، وفي كل مرة كانت تناور بعيدًا، لتجيب ببساطة بأن المشكلة تكمن في “التعليم العربي الذي يزرع الكره لليهود”، وبدت وكأنها تلوم الأمهات في غزة على مقتل أبنائهن لأنهن لم يرضعنهم حب اليهود بدل الحليب.
الواقع أن فايس في تلك المقابلة لم تمثل نفسها فقط، بل جسّدت عمق التشوه الأخلاقي في عموم المستوطنين الصهاينة، الذين يمتلكون قدرة مذهلة على نفي وجود الآخر، حتى وهو يُقتل أو يُجوّع، قدرة مرعبة على دفن الأطفال في بئر اللامبالاة.
وبينما جلست دانييلا فايس على مقعدها الوثير تتفنن في تبرير قتل الأطفال، وكأنها تدافع عن حق طبيعي، كانت أمٌّ في مخيم النصيرات وسط غزة تحفر بين الركام، تبحث عن طرف صغير لطفلها أو قطعة من ملابسه. لا يعنيها صراخ الساسة في الغرب، ولا تبريراتهم الباردة، ما يشغلها فقط: هل ستنجح في إبقاء ما بقي من أطفالها على قيد الحياة يوما آخر؟
أرقام الموت والجروح
الواقع أن تصاعد أعداد الشهداء منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى نهاية يوليو/تموز الماضي شكّل صدمة عالمية، وعمّق الرعب الذي يعيشه العالم أمام العنف الصهيوني الممنهج ضد أي شعب يرفض المجازر. لذا، لم يعد السؤال: إلى متى يستمر القتل في غزة والضفة؟ بل أصبح: هل على العالم أن يموت أو يخضع لإرادة احتلال غاشم لتستمر الصهيونية؟
هذا السؤال الذي طرحه نشطاء غربيون يعكس أزمة أخلاقية عميقة، وعجزًا عن تقديم جواب منطقي يبرر استمرار هذه المأساة.
ومع تجاوز عدد الشهداء 60 ألفًا، تأخذ المأساة أبعادًا أشد عمقًا حين يظهر أن النساء والأطفال يشكلون نحو 47% من الشهداء، مما يؤكد حجم الفظائع المرتكبة بحق أضعف الفئات الإنسانية. إنه انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية التي تحمي المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال.
لكن الأرقام لا تكتمل عند الموت، فهناك أكثر من 148,000 جريح، معظمهم من النساء والأطفال. بينهم من فقد أطرافه، ومن أُصيب بإعاقات دائمة، ومن لا يزال يئنّ في مستشفيات مهدمة أو بلا دواء.
دُعاة “الكرامة النسوية”
وبينما ترفع “النسويات” أصواتهن عالية حول قضية حجابٍ في أوروبا أو بند جديد في اتفاقية جندرية، يبتلع الصمت ألسنتهن أمام معاناة المرأة في غزة، كما لو أن المجزرة لا تعني النساء في شيء.
فتلك الحركات النسوية تنتصر للعري وتخذل المرأة حين تكون مكبلة بالجوع والخوف. تقيم الدنيا ولا تقعدها للدفاع عن فتاة خرجت عارية في مجتمع مسلم أو محافظ، وتصم أذنيها عن قتل وتجويع نساء غزة.
لا تدرك تلك الحركات النسوية أن المرأة في غزة اليوم لا تطالب بـ”الاستقلال الاقتصادي”، بل هي مشغولة بالبحث عن ماء نظيف وشيءٍ يؤكل. لا تحتج على فجوة الأجور، بل تقف في طوابير طويلة تنتظر كيس دقيق أو علبة عدس.
لا تعنيها “المساواة بين الجنسين”، بل تسأل: هل سيموت ابني الليلة جوعًا أم قصفًا؟
ففي مصائد ما يُسمّى “المساعدات الإنسانية”، تقف النساء في طوابير الموت، لأن آلة الاحتلال التهمت رجالهن، وتركتهن يواجهن محاولات الإذلال والمهانة وحدهن.
وإذا كانت الحركات النسوية تدّعي الدفاع عن كل النساء، فلماذا يستبعدن نساء غزة؟
هل لأن قيمهن لا تتوافق مع القيم والمصالح الغربية؟
المؤكد أن من يصمت عن نساء غزة لا يحق له أن يتحدث باسم النساء في أي مكان.
أمومة انتقائية
في القطاع المدمر، لم يعد هناك وقت للتنظير، لا سيما أن الذين يجوّعون الأمهات وأطفالهن هم أنفسهم الذين يأتوننا ليحدّثونا عن شعارات وقف الظلم ضد المرأة، و”كرامة المرأة”، و”تمكين المرأة”.
فأي نفاق هذا؟ وأي دجل يُسوّق في مؤتمرات “حقوق المرأة”، بينما يُسلب من نساء غزة حتى حق البقاء؟
وأمام هذا النفاق النسائي الغربي المغلف بالإنسانية، لم يعد مستغربًا أن تلوذ النسويات بالصمت المطبق، ولا ينطقن بحرف واحد للرد على زعيمة الاستيطان الصهيونية.
لم يعد مستغربًا أيضًا أن تجلس تلك المرأة أمام الملايين، وتبتسم، وتتفاخر بموت أطفال أمٍّ أخرى فقط لأن أطفالها ليسوا “من شعبها”.
بطلات بلا شعارات
وبينما ينفق الغرب الملايين لترويج سندريلا وباربي وسنو وايت كنماذج للمرأة “الأسطورية” المتحضرة، تصنع المرأة الغزية أسطورتها من لحم ودم وصبر.
لا حاجة هناك لأحذية زجاجية، فالأم تمشي حافية في طوابير الموت، لا تنتظر فارسًا ولا معجزة، لأنها هي المعجزة.
وإن كانت سندريلا قد أضاعت حذاءها، فإن أمًّا في غزة وجدت طفلها بلا قدمين، فضمته ومضت تكمل الطريق.
ربما حان الوقت لأن تُدرك النسويات أن تحرر المرأة في غزة لا يبدأ من خلع الحجاب أو رفع الشعارات، بل من خلع الاحتلال عن صدرها أولًا.
فالحديث عن “التمكين” و”الحقوق” يفقد معناه حين تُحاصر الأنفاس تحت الأنقاض، وحين تتحول الأمهات إلى خط الدفاع الأخير عن الحياة.
وإذا كانت ابتسامة دانييلا فايس قد كشفت لنا بشاعة ما يمكن أن تبلغه قسوة امرأة، فإن صرخات أمهات غزة تعرّي عالمًا لا يرى المرأة إلا إذا كانت أداة في سرديته، ولا يعترف بإنسانيتها إلا إذا كان قاتلها ليس من حلفائه.
