نزع سلاح المقاومة.. الحقيقة من أفواه الإسرائيليين

سلاح المقاومة (الأناضول)

يُحدّثنا وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش حديثًا يتحاشاه أصحاب الجلالة والسمو والفخامة العرب. الوزير، الذي تصفه دوائر الإعلام العربية بـ«المتطرف»، كأن هناك في دولة الاحتلال متطرفين ومعتدلين، يقول حرفيًّا: «إن المعركة مع العرب معركة وجود، فإما نحن وإما هم».
لا جديد في الأمر، اللهم إلا أن البغضاء التي كانت تخفيها صدور العدو، بدت من الأفواه سافرة بمنتهى الوقاحة، بعدما أَمِنَ جانب العرب.
الصهيونية غسلت يديها رسميًّا، وبغير مواربة، من مسألة السلام، وانتهت من تكفين أية عملية تفاوض ممكنة، إلا على قاعدة الاستيلاء على الأرض، والتمدد استراتيجيًّا واقتصاديًّا شرقًا وغربًا، وتنصيب مجرم الحرب نتنياهو، الملقب بملك إسرائيل المتوّج، آمرًا بغير شريك على عرش خريطة تبدأ من عُمان وتنتهي عند موريتانيا.

مؤسفٌ أن يقول سموتريتش الحقيقة، بغير تزيين ولا زخرفة، في حين يدمن العرب «حشيش الخرافات»، فإذا بهم يرددون كالببغاوات أن السلام خيار استراتيجي، وأن نزع سلاح المقاومة سيفضي إليه.
لا يعبّر سموتريتش عن تيار سياسي منبتّ الصلة بإسرائيل، ولا يمثل استثناءً يثبت القاعدة، بل هو القاعدة. ليس صوتًا منفردًا، أو وجهًا من بين وجوه سياسية متعددة المشارب، منهم الحمائم الذين ينشدون عيشًا مشتركًا على أرض احتلوها، ومنهم الصقور الذين يرومون إبادة العربي، وإن كان طفلًا في رحم أمه، لمجرد أنه سينطق الضاد مستقبلًا.
«العربي الجيد هو العربي الميت»؛ مقولة تُنسب إلى قادة سياسيين وجنرالات وحاخامات إسرائيليين، وقد كتبها جنود جيش الاحتلال على جدران صبرا وشاتيلا بالتزامن مع مجزرة عام 1982. لكن المفارقة أن أصلها يرجع إلى جنرال أمريكي، أطلقها قبل نحو مئتي عام، في سياق جرائم إبادة سكان الأرض الأصليين؛ الهنود الحمر.

العرب يدمنون «حشيش الخرافات»

ولمّا كانت الواردة تجلو الشاردة، كما يقول المتصوفة، وكان التاريخ يكرر حلقاته كما يدّعي المؤرخون، فإن مجزرة صبرا وشاتيلا كانت قد وقعت بعد ثلاثة أسابيع من اتفاق دولي رعته واشنطن وباريس والأمم المتحدة، ويقضي بخروج حركة «فتح» وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
داست إسرائيل الاتفاق، وكانت الذريعة إنهاء ما بقي من وجود المنظمة على جبهتها الشمالية. في سبيل ذلك، ساعد جيش الاحتلال ميليشيات إيلي حبيقة على بقر بطون الحوامل واغتصاب النساء وتقطيع رؤوس الرضع، وعلى مدى ثلاثة أيام كان آلاف الفلسطينيين قد استشهدوا، ولم تسدد إسرائيل أيّ أثمان لذلك، اللهم إلا تشكيل لجنة تحقيق أقالت وزير الدفاع حينها، أرييل شارون، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للحكومة تثمينًا لأدواره «البطولية».

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

في توثيقه لما جرى، قال الصحفي البريطاني روبرت فيسك في تقرير على صفحات الإندبندنت: «رأيت في المخيمات ما يهول، لم تكن هناك جثث فقط، بل أشلاء أطفال، بطون مفتوحة لنساء، رؤوس مفصولة، رائحة الموت تفوح في كل زقاق… الناس دُفنوا تحت الأنقاض عمدًا، هناك من قُتلوا بالسكاكين، وهناك مَن شُقّوا إلى نصفين».

تشبه الليلة البارحة، وإذا شئت تأصيلًا أعمق، فإن التشابه يعود إلى بداية النكبة الفلسطينية، فقبل صبرا وشاتيلا بأكثر من ثلاثة عقود، وتحديدًا في صباح التاسع من إبريل/نيسان عام 1948، افتتح مجرمو منظمتي «الإرغون وشتيرن»، بتنسيق مع منظمة «الهاغاناه»، سلسلة المجازر الصهيونية الممتدة حتى لحظة كتابة هذه السطور، بمجزرة دير ياسين، التي استهدفت أبناء قرية لم تُشكّل خطرًا على اليهود، بل كانت قد أبرمت معهم هدنة محلية.

كان قائد عصابات «الإرغون» آنذاك هو مناحيم بيغن، الذي حصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع السادات، وكان قائد «البلماخ»؛ الفرع المنوط بالأعمال الأكثر قذارة في «الهاغاناه»، هو إسحاق رابين، الذي طالما اعتبره العرب رجل سلام.

إعلان مبكر عن النزعة الإسرائيلية الإجرامية

وفق المؤرخ الإسرائيلي اليساري آلان بابيه، فإن المجزرة المبكرة كانت إعلانًا عمليًّا عن أن الدولة العبرية ستُبنى على أنقاض العرب، مضيفًا في كتابه «التطهير العرقي في فلسطين»، أن التطهير لم يكن انحرافًا عن المشروع الصهيوني، بل كان دائمًا في صميمه.

تتضافر دروس التاريخ، إلى جانب مشاهد الإبادة الحالية، لتفضي إلى الحقيقة التي ينكص صانع القرار العربي عن مواجهتها: إسرائيل كيان إبادي سرطاني، وليس واردًا بأي حال من الأحوال «التطبُّع» مع السرطان.

بل إن البؤس بلغ حضيضًا غير مسبوق، ففي الوقت الذي تكشف فيه «بورصة» شهداء غزة عن تجاوزهم 60 ألفًا، وتزامنًا مع حرب التجويع التي يتفرّج عليها «الغرب المتحضر»، يجنح العرب إلى تأثيم الضحية، عبر إدانة «طوفان الأقصى»، والضغط على «حماس» لتسليم سلاحها، متغاضين عن دروس الأمس القريب والبعيد.

كل شيء يؤكد المؤكد: أولئك قوم لا عهد لهم ولا ميثاق، وإن لم نتعاطَ مع تحديات الحاضر والمستقبل وفق هذه الحقيقة «المؤلمة»، فلنتأهب لدخول «الزمن العبري» منكسي الرؤوس.

الحقيقة من سموتريتش

ما يردده سموتريتش والذين معه هو الحق واضحًا بغير التباس، وما يدعو إليه العرب من تسليم سلاح حماس هو الباطل واضحًا بغير التباس.

إن سلّمت المقاومة سلاحها، فلن تميط إسرائيل أذاها، بل ستمعن في الإبادة أكثر، وستمضي قدمًا في تنفيذ مشروع التهجير، بما يلبي شهوتها لابتلاع المنطقة دفعة واحدة، كبيضة مسلوقة، وذلك سيكون حتمًا ليس على أنقاض العرب فحسب، بل على أشلاء أجسامهم وكرامتهم.

نزع سلاح المقاومة ليس مقبولًا، وليس إجراءً حصيفًا، بالنظر إلى تداعياته التي ستؤدي لا محالة إلى الإجهاز على قضية فلسطين إلى أمد غير معلوم. كذلك فإن اعتقاد قدرة «المجوّعين» على الصمود أكثر، في وجه آلة عدوانية إجرامية لا يردعها رادع، ليس بدوره منطقيًّا.

موازين القوى وفوارق الإمكانيات والتسليح ليست في صالح المقاومة، وقد فعلت أكثر من الممكن، وربما فعلت ما هو أكثر من المعجزة، إذ صمدت، ولا تزال تؤلم العدو بعد 21 شهرًا من حرب استُخدمت فيها أكثر الأسلحة المحرمة دوليًّا فتكًا، وبالتوازي تزداد وطأة المجاعة، وتُطير وكالات الأنباء صورًا ما كنا نتخيل في أبشع الكوابيس أن نراها.

الغزيون وحدهم، محشورون بين المطرقة والسندان. ربما يبدو التعبير مبتذلًا من فرط استخدامه، لكنه مع ذلك يبقى معبّرًا بصدق مذهل عن مشهد مبتذل.

الوقت ليس للعنتريات، ولا لاستدعاء صرخات على غرار «وامعتصماه»، فقد تجاوز الوضع العسكري والسياسي ذلك.
لكن، أليس مطلوبًا أن نكف عن الجري وراء سراب السلام؟ أليس مطلوبًا أن نسعى بكل السبل الممكنة لإدخال المساعدات إلى أشقائنا الذين يستصرخون نخوتنا؟ أليس ذلك أضعف الإيمان؟ ثم، أليس لازمًا وحتميًّا أن نأخذ الحقيقة، أو بالأحرى نأخذ بها، ولو من سموتريتش؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان