حل الدولتين.. الواقع والخيال

فصائل المقاومة أكدت أن سلاحها سيبقى طالما استمر الاحتلال
فصائل المقاومة أكدت أن سلاحها سيبقى طالما استمر الاحتلال (غيتي)

بينما تجمدت مفاوضات وقف الحرب في غزة، وبينما يستعد جيش الاحتلال لخوض جولة جديدة أشد عنفا وأكثر دموية بهدف الوصول إلى اسراه وإلى سلاح وقادة حماس، عادت إلى الأضواء مجددا فكرة حل الدولتين، وشهدت نيويورك نهاية يوليو تموز المنصرم مؤتمرا دوليا أثمر إعلانا جديدا لتسوية القضية الفلسطينية وفقا لحل الدولتين، لكن هذا الإعلان كعادة الإعلانات الدولية المماثلة وضع السم في العسل في كثير من بنوده رغم تضمنه بنودا مقبولة أخرى.

عودة خيار حل الدولتين إلى المشهد كتصور مقبول دوليا للقضية الفلسطينية سببه الأساسي هو طوفان الأقصى الذي أعاد الحياة للقضية برمتها رغم ما شهدته غزة نفسها من قتل ودمار وحرب إبادة وتجويع، لقد تيقنت الدول المشاركة في مؤتمر نيويورك أن تصورات واشنطن وتل أبيب لإنهاء القضية الفلسطينية وفقا لرؤية نتنياهو/ ترامب غير ممكنة التحقيق، وغير محتملة النجاح، ولذا فإنهم توافقوا على إحياء فكرة حل الدولتين.

4 تصورات للحل

لا تخرج التصورات المطروحة لحل القضية الفلسطينية عن 4 حلول أولها وهو ما يتمناه كل فلسطيني وعربي وهو دولة فلسطينية من النهر إلى البحر، حتى لو قبلت اليهود كجزء من سكانها، والثاني وهو ما يريده نتنياهو دولة يهودية من النهر إلى البحر أيضا بما في ذلك الضفة الغربية وغزة والقدس(وفي مراحل لاحقة من النيل إلى الفرات)، أما الثالث فهو دولة ديمقراطية تتسع للجميع عربا ويهودا، باسم يتم التوافق عليه مثل “ارض السلام” أو حتى “إسراطين” بتعبير القذافي، أما الرابع فهو حل الدولتين، إحداهما فلسطينية والثانية إسرائيلية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

قامت صفقة تسوية أوسلو عام 1993 على هذا التصور الأخير، وكانت البداية المفترضة للدولة الفلسطينية هي سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة وغزة، وصولا إلى دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة، لكن ما حصل عمليا هو سلطة حكم ذاتي أقل مما تضمنه الاتفاق، جرى التضييق عليها تباعا، وحصرها في المقاطعة حتى وفاة عرفات عام 2004 بطريقة غامضة، ورغم أن الاتفاقية كانت تفرض انسحابات إسرائيلية متدرجة من المستوطنات في الضفة وغزة إلا أن سلطات الكيان استعادت ما انسحبت منه سابقا بل قامت بإنشاء المزيد من المستوطنات، وبذلك جمدت حلم الدول الفلسطينية.

فضل الطوفان

قبل طوفان الأقصى كان العالم قد نسي تقريبا حل الدولتين، ونسي أن هناك شعبا فلسطينيا لا يزال يحلم بوطن مستقل كامل السيادة، بل تعايش العالم مع تعديل الكيان لصفة دولته لتكون دولة يهودية وفقا لقانون أصدره الكنيست في العام 2018، نص على أن “إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي” وأن حق تقرير المصير فيها “يخص الشعب اليهودي فقط”، وحتى الدول العربية صاحبة مبادرة السلام توقفت عن التحرك الجدي نحو حل الدولتين لقناعتها باستحالة تحقيقه.

حل الدولتين يقضي بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وهذا يعني إقامتها على حدود 4 يونيو 1967، أي قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة والقدس الشرقية، وبالمناسبة أعلنت حماس في وثيقتها المطورة في العام 2017 قبولها إقامة دولة فلسطينية على حدود 4يونيو 67،مع عودة اللاجئين والنازحين كصيغة توافقية وطنية مشتركة مع تمسكها مبدئيا بكامل الأرض الفلسطينية من نهرها إلى بحرها.

الحل المستحيل

هل تأخذ الدول التي دعت أو شاركت في مؤتمر نيويورك حل الدولتين بالجدية الكافية هذه المرة؟ قبل الإجابة علينا أن نعرف الدول الموقعة على الإعلان فبالإضافة إلى فرنسا والسعودية الداعيتين وقعت بريطانيا، وأيرلندا، وأسبانيا، وكندا، وإيطاليا، والنرويج، والبرازيل والمكسيك ومصر وإندونيسيا، واليابان، والأردن، وقطر، والسنغال، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، هذا يعني أن المؤتمر ضم حضورا رفيع المستوى بينه دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن ما يعني أن 4 دول من أصحاب الفيتو يؤيدون الآن نظريا حل الدولتين، لكنه يعني أيضا استمرار العضو الخامس والأكثر نفوذا وهو الولايات المتحدة في جانب الرفض رغم أن رؤساءها السابقين أيدوا علنا هذا الحل من قبل لكنهم تركوا العصمة بيد الكيان.

توقيت إعادة طرح حل الدولتين يأتي متزامنا مع التصعيد الإسرائيلي إلى أعلى مستوى في غزة، ومعروف رفض نتنياهو الصارم لهذا الحل، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الدول صاحبة المقترح أن تفرضه عليه، وهي لم تستطع أن تفرض عليه وقف الحرب في غزة مؤقتا؟!، ثم إن إعلان نيويورك دعا إلى نزع سلاح المقاومة تماما، ولن تقبل المقاومة نزع سلاحها قبل إقامة الدولة الفلسطينية وفقا لتصريحات قادتها، وهذه هي طبيعة الأمور، فكيف تلقي المقاومة سلاحها بينما لا تزال أرضها تحت الاحتلال؟ وكيف تتحرر تلك الأرض؟ وقد ثبت من التجارب السابقة أن العدو لا يلتزم بوعود مهما تصاعدت الضغوط السياسية، وقد نكص عن التزاماته في اتفاق أوسلو، وتوسع في الاحتلال والاستيطان، ولم يخرج من غزة إلا حين تحولت إلى جحيم لم يطقه، وكان يتمنى أن لو يبتلعها البحر مرة واحدة.

نزع سلاح المقاومة

من الغريب أن دولا عربية وإسلامية وقعت على إعلان نيويورك المتضمن نزع سلاح المقاومة، دون أن تطلب نزع سلاح الكيان أيضا، ولو أن هذه الدول جادة في دعمها للحق الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة على حدود 67 فإن عليها أن تدعم المقاومة لتحقيق هذا الغرض بعد عجزها عن إجبار نتنياهو على وقف الحرب الحالية.

في مايو أيار من العام الماضي (2024) وفي خطوة جديدة لصالح القضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 143 صوتا قرارا يدعم طلب فلسطين الحصول على عضوية كاملة بالأمم المتحدة، ويوصي مجلس الأمن بإعادة النظر في الطلب، كما يحدد طرقا لإعمال حقوق وامتيازات إضافية تتعلق بمشاركة فلسطين بالأمم المتحدة (تتمتع فلسطين الآن بصفة مراقب)، لكن الفيتو الأمريكي يقف حتى الآن عائقا دون الاعتراف بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين في المنظمة الدولية، وطالما بقيت الولايات المتحدة على موقفها فلن تسمح بتمرير قرار دولي لولادة دولة فلسطينية كاملة السيادة عبر المنظمة الدولية، وسيحدث ذلك فقط عبر مقاومة شاملة بمشاركة كل القوى الفلسطينية وبدعم عربي وإسلامي حقيقي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان