خارطة طريق وطنية لتضييع القضية!

إذا أردت أن تُضيّع وتُميع أي قضية، فلا تتحدث عن جذور المشكلة، ولا عن المسبّبين لها بالتخطيط والتواطؤ أو بالتفريط والإهمال، ولا تشغل بالك بالتفاصيل الأساسية، ولا بالتطوّر الذي جعلها تطل على واجهة الأحداث، ولا تهتم بفحصٍ أو درسٍ عقلاني يتيح لك، ولمن يتلقى عنك، فهمًا أو معرفة.
لكي تصل لمبتغاك، أطل الحديث عن الفروع البعيدة، وركّز كلامك على الأغصان الجافة، والثمار اليابسة، والأزهار الذابلة، والأوراق المهترئة. وضع خطوطًا وجداول تحت سقط المتاع.
اترك المحاريب، واعتمد اللهو في الساحات الواسعة، وأقم على الحدود وشفا الجرف الهار، دون الولوج إلى العواصم والمدن الكبيرة.
وتعمّد تجاهل الميادين، واستوطن الأزقّة والحواري التي تتلوّى ولا تلوي على شيء، واصطحب من يتبعك إلى السراديب، واجعله يختنق في ضيق الأنفاق، أو يتصور أنه مرابط في الخنادق، فذلك أدعى إلى صرف العوام عن القضية الأم، التي ستصبح يتيمة لا كافل لها، بعد أن تتوه في الزحام، وتصبح شريدة مستباحة على موائد اللئام.
نموذج مثالي
القضية الفلسطينية، باختصار غير مخلّ، هي أن شعبًا يرزح تحت نير الاحتلال منذ عقود، بتواطؤ الغرب، ويبحث عن اللحاق بركب الاستقلال، ومواكب الحرية التي لم يتخلف عنها سوى الشعب الفلسطيني، المقيّد خلف أسوار الإجرام الصهيوني وممارسات القمع والإذلال الممنهج.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
القضية الفلسطينية نموذج مثالي يَكشف كيف نتورط نحن العرب في فعل كل ما سبق من موبقات تصبّ في صالح المغتصب، وتنأى بسنوات ضوئية عن مصلحة الشعب المكبَّل بآلة الحرب الإسرائيلية، منذ تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين التاريخية في مايو/أيار عام 1948.
إنّ أي صهيوني يتابع الإعلام العربي أو صفحات التواصل الاجتماعي العربية سيكون سعيدًا بالنقاشات العبثية الكثيرة التي تلفّ وتدور حول تخوم القضية الفلسطينية، دون أن تتطرّق لشيء ذي قيمة في اللبّ والمركز.
لأن الغرض دائمًا هو استهلاك الوقت، واستنزاف الجهد، وتبديد الطاقة، بعيدًا عن القضية.
المجاعة والمقتلة
منذ عدة أسابيع، اشتدّ الحصار القميء، وسياسة التجويع، ومنع الدواء، التي تفرضها دولة الاحتلال الصهيوني منذ شهور على سكان قطاع غزة المنكوب. وامتلأت الصحافة العالمية بما تبثّه وكالات الأنباء، وينشره الناشطون من أخبار وصور وقصص دامية عن المجاعة البشعة، التي تقهر الأطفال والنساء، وتذلّ أعناق الرجال وهم يبحثون عن حفنة طحين أو كسرة خبز تسدّ رمق أطفالهم ونسائهم.
وتتجسد الوحشية والإجرام الصهيوني في سبق الإصرار على إطلاق النار المباشر على من يتزاحمون للحصول على المعونات الشحيحة التي تصل، تحت إشراف جيش الاحتلال، إلى قطاع غزة، فيسقطون بين شهيد وجريح، وفي كل الأحوال: جوعى وعطشى.
فبالنسبة للمنكوبين في غزة، يتساوى انتظار الموت جوعًا في العراء أو الخيام مع السعي إلى الحصول على “كيس طحين” تحت القصف وآلة القتل الصهيونية. لكن بعضهم يفضل الشهادة مع السعي لتوفير الطعام، على انتظار الموت أمام الأواني الفارغة والأمعاء الخاوية، والأطفال المنتحبين من قرصات الجوع.
بعيدًا عن الاحتلال
حال غزة كما أسلفنا: ستون ألف شهيد، وعدد مضاعف من الجرحى والمعاقين والمفقودين، وركام المباني المهدَّمة في كل مكان، ووضع لا إنساني فرضه الاحتلال.
فالقضية إذًا هي الاحتلال والحصار.
وهو أمر واضح لكل ذي لبّ، ولا مجال لتفريع القضية وتقديم إلهاءات للرأي العام، كي يبتعد بحولياته عن توجيه أصابع الاتهام للاحتلال، وكل من يعاونه، في الداخل الفلسطيني أو العربي، أو خارج حدود الوطن العربي الممتد من الخليج إلى المحيط.
إن إغراق المجال العام بالفوضى والضجيج والقصص المثيرة، والصراعات المفتعلة حول الصغائر، يلفت الأنظار بعيدًا عن عظائم الأمور. كما أنه لن يترك طاقة أو وقتًا للتفكير في القضايا الجوهرية، وهو عين ما حدث قبل أسبوع، بعد هجمات ومظاهرات أمام عدد من السفارات المصرية في عواصم العالم.
فتنة السفارة
ولسبب لا يمكن فهم أسبابه — على الأقل بالنسبة لي — شاركت ما تُعرف بـ”الحركة الإسلامية” في أراضي 48 في مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب (تل الربيع)، للمطالبة بفتح معبر رفح، الذي أعلنت مصر مرارًا وتكرارًا أنه مفتوح من الجانب المصري، وأن دولة الاحتلال الصهيوني هي المسؤولة عن إغلاقه من الطرف الآخر في قطاع غزة.
وقد ساهم المتظاهرون، بوعي أو بدونه، في لفت الأنظار بعيدًا عن المجرم الحقيقي، وهو الاحتلال الذي يقوده بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني.
أيًا كانت درجة تصديق الرواية الإسرائيلية التي ألقت باللوم على الجانب المصري، وفي ظل تاريخ طويل من الكذب تمارسه الدولة العبرية، فإنه لا يمكن تبرير أن يحصل منظمو المظاهرة على تصريح من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المسؤول عن الشرطة الإسرائيلية، رغم كونه أحد مجرمي الحرب الإسرائيليين، والمتهم بالتحريض على الإبادة الجماعية.
وعند هذا الحد، كان يمكن اعتبار تلك المظاهرة البائسة عملًا من أعمال الشذوذ السياسي، أو ضمن الغرائبيات، وأن تأخذ حيزًا من التغطية الصحفية يليق بقدرها وتأثيرها.
لكن لأن لدينا خبراء في تشتيت الوعي، فقد تم خلط ساذج ومتعمد بين “الحركة الإسلامية” داخل إسرائيل، وبين “جماعة الإخوان المسلمين” التي وصلت للحكم في مصر، وأُطيح بها بين عامي 2012–2013.
خارطة إلهاء
في ممارسة إلهائية، انبرت كتائب ولجان موجَّهة لاستدعاء العداء بين الإخوان والنظام في مصر، وتحميل المظاهرة على هذا الصراع، عبر تدشين هاشتاغ (#إخوان_خائنون).
ولم تقتصر ردود الفعل على يوم أو يومين، بل بعد أسبوع كامل من المظاهرة، ما زال هناك من يناضل عبر الاستمرار في سبّ وقذف الإخوان الموصومين بالإرهاب والخيانة… إلخ.
وفي الاتجاه ذاته، انبرى أستاذ للدراسات الإسرائيلية في جامعة عين شمس، للتأكيد – وكأنه رجل مخابرات – أن المظاهرة تمّت بتنسيق بين جماعة الإخوان وجهازي الموساد والشاباك الإسرائيليين!
لم يكن أحد في مصر يدافع عن المظاهرة، لكنها كانت فرصة للاشتباك لا مع “الحركة الإسلامية” داخل الكيان التي شاركت ونظّمت، بل مع طواحين الهواء، بدافع الوطنية والدفاع عن الثوابت والمقدسات.
وفي ظلّ حالة شدّ الانتباه بعيدًا عن القضية الفلسطينية، فمن المثير للسخرية أن نقابة الصحفيين المصريين أصدرت بيانًا أدانت فيه المظاهرة، وذكرت في مقاطع متعددة مأساة الاحتلال وما يكابده أهل غزة من جوع وعطش ومرض.
لكن حزب “الكتائب الإلكترونية” المصرية أراد أن يجرّ مصدري البيان للاشتباك مع الإخوان، باعتباره عملًا وطنيًا خالصًا لوجه الشعب!
المتابع لمجريات الأمور سيكتشف أن ما كُتب عن المظاهرة الفقيرة يتجاوز عدد المشاركين فيها بأضعاف كثيرة، لأن ردّ الفعل المبالغ فيه كان بمثابة خارطة طريق تحت ستار الوطنية لتضييع القضية.
