اختبار الحمل هل يلغي عدة المرأة؟!

العلوم الحديثة تطورت في العقود الأخيرة تطورا مذهلا وهائلا، مما جعل كثيرا من القضايا المتعلقة بها من حيث العبادة والمعاملة الشرعية للمسلم، تطرح طرحا بشكل مختلف، وربما غيّر كثير من الفقهاء المعاصرين نظرتهم في قضايا كانت في كتب التراث تحمل وجهة نظر معينة، كمدة الحمل، واختيار جنس الجنين، والتلقيح الصناعي، وتأجير الأرحام، وبخاصة التطور العلمي الذي يمس حياة الإنسان الشخصية، وأصبحت الأسئلة تزداد يوما بعد يوم.
ومن هذه القضايا التي بدأت تثار، خاصة بعد الدقة المذهلة التي تخبرنا بها نتائج العلم، فيما يتعلق بالحمل، فإن اختبارات للحمل حاليا، تستطيع بدقة كبيرة تخبرنا إن كانت هذه السيدة حاملا أم لا؟ وإذا كانت المرأة المطلقة، أو التي توفي عنها زوجها، ملزمة شرعا بعدة لا يمكن لها الزواج خلالها، فهل يمكن أن يكون اختبار الحمل حلا لذلك؟ ولا تحتاج المرأة لكل هذه المدة الزمنية؟ وبخاصة أن كثيرا من الفقهاء نصوا على أن العلة من العدة: استبراء الرحم، أي: أن نطمئن لخلو الرحم ممن يتعلق بالزوج الماضي، حتى لا يحدث اختلاط للأنساب، فهل يمكن أن يقوم اختبار الحمل هنا مقام العدة، ويلغيها، أو يختصرها زمنيا؟
اختلاف العدة من حالة لأخرى:
والإجابة هنا تتطلب منا أن نتأمل في عدة المرأة، فهي تدور في هذه الأحكام التي بينها القرآن الكريم: فمن تحيض فعدتها ثلاثة قروء، على خلاف بين الفقهاء هل القرء: الحيض، أم الطهر؟ والتي لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، والحامل عدتها بوضع حملها، والمتوفى عنها زوجها، عدتها: أربعة أشهر وعشرا.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
فسنلاحظ هنا الاختلاف والتفاوت بين هذه الحالات، وهو خلاف في المدة الزمنية، والطريقة التي تعتد بها المرأة، ما يعني أن استبراء الرحم، ووجود الحمل من عدمه، ليس المعول الرئيس هنا، بل هي مدد مختلفة، لا يربط بينها رابط تعليلي يمكن الاستناد إليه، فلو كان الهدف استبراء الرحم، فكان يكفي حيضة واحدة، أو اثنتين، أو التي لا تحيض تكتفي بشهر ونصف شهر أو شهرين، والمتوفى عنها زوجها تكون بالحكم نفسه، لكنها مدة زمنية غير معللة بعلة عقلية، فما الحكمة من أربعة أشهر وعشرة أيام؟! ومحاولة تعليل بعض الفقهاء لاختلاف عدة الوفاة عن غيرها، بأنه من باب الوفاء والحب، فكم من حالات مات الزوج، وقد كانت الزوجة تتمنى وفاته؟ ولو استطاعت التخلص منه بأي وسيلة ما تأخرت، وهذا ما يمكن أن يساق أيضا في الحديث عن المطلقات من أزواجهن، والطلاق في الغالب يكون عن نفرة، واستحالة العشرة.
بل إن هناك أحكاما قد تتعلق بالرجل، تلزمه انتظار عدة المرأة، وهو ما قال عنه بعض المشايخ مازحا: عدة الرجل، أن عليه أن ينتظر في حالات معينة حتى تنتهي العدة، مثل: من تزوج بامرأة وطلقها، ويريد أن يتزوج بأختها، والشرع يحرم الجمع بين الأختين، فعندئذ لا بد للرجل من انتظار انتهاء عدة الزوجة الأولى، ولا ترجع لعصمته، حتى يمكنه أن يتزوج بأختها، وكذلك من تزوج أربعا، وطلق واحدة منهن، ويريد أن يتزوج مكانها، عندئذ عليه أن ينتظر حتى تنتهي عدتها، ولا يراجعها، ثم بعد ذلك يتزوج، لأنه لو تزوجها في عدة الطلاق الرجعي، سيكون تزوج بخامسة، وفي هذه الحالات الرجل ينتظر انتهاء عدة المرأة المطلقة، ليس لعلة استبراء رحمها ولا رحمه، بل لمانع شرعي آخر، وهو أنه سيتزوج بمحرمة تحريما مؤقتا، وهذا التحريم يزول بانتهاء عدة الزوجة المطلقة.
العدة واستبراء الرحم:
نعم، من حكم العدة وأهدافها: استبراء الرحم، لكنه ليس الوحيد، وليس المعول عليه في العدة فقط، وهو ما يمكن أن نلحظه في عدة التي لم يدخل بها الزوج، فقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَا} (الأحزاب: 49). فهنا لا توجد عدة، ولكن نصف المهر فقط، وواضح هنا أن عدم العدة، لعدم الدخول بها، فغالب الظن أن من ذهبوا إلى أن العدة لاستبراء الرحم، كان عمدتهم استبطان هذا الدليل، وهو مقبول في هذه الحالة، لكننا لا يمكن أن نجعله قاعدة حصرية في العدة.
وحاول فريق من الفقهاء تعليل هذه المدة، بناء على تصوره واجتهاده، وهو مأجور عليه، لكنه ليس نصا في الشرع، وليس تعليلا محكما، نستطيع أن نرتكن إليه، أو نرتكز عليه، فقالوا في معرض حديثهم عن عدة الأمة (الجارية) عند الطلاق، فقال فريق: (إنها تعتد بثلاثة أشهر، لأنه أقل الزمان الذي يطهر فيه استبراء الرحم. وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يكون خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة”، وهو في حال المضغة يتخلق ويتصور، وتظهر أماراته من الحركة، ومن غلط الجوف، وذلك عند انقضاء الشهر الثالث).
وقال الإمام الماتريدي: (ثم اختلفوا في العدة: فمنهم من قال: هي استبراء الرحم، ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، وهذا القول عندنا أصوب، لأوجه:
أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق، فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي المتوفى فيه المقصود، والله أعلم.
ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها على الوجه الأول).
فلو كانت العدة لاستبراء الرحم، وعدم اختلاط الأنساب، فماذا عن عدة المرأة التي لا تنجب، وقد يكون سبب طلاقها عدم الإنجاب؟ وماذا عن المرأة التي هجرها زوجها مدة طويلة؟ إلى أن حكم القضاء بطلاقها، أو اتفق الزوجان على الطلاق، وهما متيقنان من عدم الحمل، فهل تلغى العدة هنا؟ الإجابة: لا، لم يلغ الشرع العدة في هذه الحالات ولا في غيرها.
العدة أمر تشريعي غير معلل:
وهو ما يعني أن العدة هنا أمر تشريعي ينبغي الامتثال له، بغض النظر عن الحكم التي يسوقها الفقهاء في حكمها، ولذا يعد الفقهاء العدة من باب حقوق الله -تعالى-، وليس من باب حق العباد، ولذا فلا يمكن لاختبار الحمل، ولا غيره من الوسائل التي تتطور فيها علوم البشر، أن يلغي العدة للمطلقة، أو المتوفى عنها زوجها.
وهو ما قاله المالكية ذاته عن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن غسل الإناء سبع مرات، إذا ولغ فيه الكلب، فالمعلوم أن النجاسة تطهر بأقل من ذلك، فلماذا سبعة؟ وأولاهن بالتراب، فقال المالكية: إنه أمر تعبدي غير معلل، وهو ما يقال عن العدة هنا، أنه أمر تشريعي مطلوب الامتثال له، بالمدة المحددة حسب كل حالة، كما نص القرآن الكريم على ذلك، ولم يذكر علة لها، بحيث نقول: إن الحكم يدور مع العلة، والحكمة من هذا الأمر: أن نتمثل لأمر الله تعالى ونهيه.
فإذن تقدم العلم، أمر محمود ومشكور فيما يتعلق بمنافع الناس ومصالحها، أما فيما يتعلق بالأمور التشريعية الثابتة، فالالتزام هو الواجب هنا، وعدة المرأة مما يدخل في هذا الباب.
