رسوم ترامب الجمركية تحفر قبر الـ”نيو ليبرالية”

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل رسما بيانيا أثناء إلقائه كلمة حول الرسوم الجمركية المتبادلة خلال فعالية بعنوان "لنجعل أمريكا ثرية مجددا" (الفرنسية)

إذا كان الفيلسوف الألماني كارل ماركس، قد تنبأ بأن تلعب الطبقة العاملة دور حفاري القبور للرأسمالية، فإنه لم يدر بذهنه مطلقا، أن يقوم ملياردير يترأس أقوى دولة بالعالم، بحفر قبر الليبرالية الجديدة.

يُنفّذ دونالد ترامب وعده بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات كجزء من استراتيجيته “أمريكا أولًا”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الخميس الماضي، دخلت رسوم جديدة حيز التنفيذ، وتضمنت قائمة الدول ذات الرسوم الأعلى 6 دول عربية، سوريا والعراق والجزائر وليبيا وتونس والأردن، بينما بقية الدول العربية، لم تزد الرسوم على 10%.

وبنهاية أغسطس/آب الحالي، سيتم تطبيق رسوم بـ50% على الهند، بعد معاقبتها على شراء النفط الروسي.

وتبقى الصين بانتظار تمديد الهدنة التجارية، قبل الموعد المحدد للرسوم في 12 أغسطس.

كان عالم المال، قد حبس أنفاسه، بعد بوادر صدام تجاري بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، قبل أن يتوصل العملاقان إلى هدنة تجارية.

وتمثل الرسوم الجديدة تصعيدا كبيرا في التوترات التجارية المستمرة، بين الدول الكبرى.

غير أن إدارة ترامب ترحب بهذا التحوّل، وصرّح ماركو روبيو، وزير الخارجية الجديد: “أن النظام العالمي، لما بعد الحرب، ليس باليا فحسب، بل هو الآن سلاح يُستخدم ضدنا”.

هل ربح ترامب؟

لا يكاد يمر يوم دون أن يتباهى ترامب بإيرادات الرسوم الجمركية القياسية التي جمعتها الحكومة الأمريكية منذ أن رفع الضرائب على السلع المستوردة جميعها تقريبا.

وقال ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيرا إلى إيرادات الرسوم الجمركية: “لدينا أموال طائلة، أموال أكثر بكثير مما شهدته البلاد في تاريخها”.

ترامب محق: فقد جمعت الحكومة الأمريكية ما يقرب من 30 مليار دولار من إيرادات الرسوم الجمركية الشهر الماضي، وفقا لوزارة الخزانة، ويمثل ذلك زيادة بنسبة 242% في إيرادات الرسوم الجمركية مقارنة بشهر يوليو/تموز من العام الماضي.

وفي الغالب، عدّلت قاعدة الحزب الجمهوري قناعاتها الراسخة، متخلية عن التزامها بالعولمة، والتجارة المفتوحة، والتدفقات المالية، وبدلا منها، تبنّت نوعا من القومية الحمائية التي تُجسّد، وإن كان بشكل غير مكتمل، الفكر التجاري السائد منذ قرون خلت.

وفي مفارقة غريبة، بدأ ترامب في إرساء حقبة بديلة من السياسة التجارية تُذكّر بما دعا إليه الكثيرون من اليساريين، منذ أن تسللت التجارة الحرة إلى مخيلة التكنوقراط والليبراليين، ولاحقا المحافظين.

غير أن نظام ترامب على النقيض من مبادئ اليسار، لا يضمن حقوق العمال والبيئة، بل إنه ملتزم بتفكيك تلك الحماية.

بمعنى ما، ترامب هو حفار قبر الـ”نيو ليبرالية”، وربما هو ما يستحقه الـ”نيو ليبراليون”.

عقوبات لمن يقول لا!

لطالما أشار النقاد، إلى أن التناقضات المتأصلة في النظام الـ”نيو ليبرالي” جعلته عُرضة للتفكك.

كانت “القيادة الاقتصادية” الأمريكية سلاحا ذا حدين، قابلة للانقلاب في أي لحظة ضد “شركائها” حول العالم، حتى مع تمزيق المجتمعات المحلية بفعل تراجع التصنيع.

وسارعت الدول لحماية مصالحها الخاصة، بينما انهارت أركان الليبرالية واحدة تلو الأخرى، بينما اشتد الهجوم على حقوق العمال.

وعلى المستوى العالمي، أثبت “النظام الدولي القائم على القواعد”، أنه خاضع لأهواء قوة مهيمنة غارقة في تحيزها، وعرضة للخضوع لحاكم نرجسي متهور، يبدو أنه انتُزع للتو من مرحلة الانحدار والسقوط في الإمبراطورية الرومانية.

ترامب، على سبيل المثال، أعلن أنه سيطبق الرسوم الجمركية على أي دولة تنحاز إلى ما سماه “السياسات المعادية لأمريكا”، التي تنتهجها مجموعة “بريكس”.

وكانت البرازيل قد ألغت في فبراير/شباط الماضي خططا للدفع باتجاه عملة مشتركة خلال فترة رئاستها للمجموعة هذا العام، لكن المجموعة تمضي قدما في العمل على نظام دفع عبر الحدود، لتسهيل التجارة والمعاملات المالية بالعملات المحلية.

وأسست مجموعة “بريكس” 2006، وضمت في بداياتها كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم انضمت جنوب إفريقيا عام 2011. وفي الأول من يناير/كانون الثاني 2024، أصبحت كل من مصر، وإيران، والإمارات العربية، وإثيوبيا أعضاء كاملين في التكتل، كما انضمت إندونيسيا رسميا في 6 يناير 2025.

بينما انضمت 9 دول للمجموعة بصيغة شريك، ووفقا لتقرير صندوق النقد في إبريل/نيسان الماضي، يُتوقع أن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول “بريكس” في العام الجاري المعدل العالمي، ليصل إلى 3.4%، مقارنة بـ2.8% كمعدل عالمي.

تململ وسط الجماهير

بينما تُعيد الدول المتضررة، تنظيم صفوفها لمواجهة الهجوم الأمريكي، تختبر إدارة ترامب حدود الدعم الشعبي لأجندتها في الداخل.

التضخم يتفاقم، ونمو الوظائف يتباطأ، والأسعار ترتفع. 80% من الأمريكيين قلقون بشأن تكلفة الرسوم الجمركية، و60% يُحمّلون الرئيس المسؤولية. يُشير ما يقرب من ثلث البلاد إلى التضخم باعتباره القضية الرئيسة التي تواجه الأمريكيين.

الضغط الاقتصادي ليس مُجرّد ضغط مُجرّد؛ بل يُطال أساسيات الحياة وألعاب الترفيه المُفضّلة.

وقد تتجنب واشنطن الركود الذي خشي منه الكثيرون العام الماضي. لكن بعد سنوات من الضغوط المرتبطة بالجائحة، والتضخم المستمر، وتفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف، يُعاني الأمريكيون مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

عالم قديم يموت

قد لا تُمثّل رسوم ترامب الجمركية نهاية لـ”النيو ليبرالية”، لكن نجاحها المُحتمل، يُشير إلى أن العالم القديم يحتضر، وأن الصراع على توجهات العالم الجديد ومساراته، قد بدأ للتو.

في ربيع العام الماضي، أعلن رئيس الوزراء الكندي الجديد، والمصرفي المركزي السابق، مارك كارني، أن قرابة قرن من النظام الاقتصادي العالمي بقيادة واشنطن قد شارف على الانتهاء.

وقال كارني: “لقد انتهى نظام التجارة العالمية المرتكز على الولايات المتحدة”، واصفا ما يمر به العالم حاليا بأنه “مأساة” و”واقع جديد”.

مع فرض ترامب رسوما جمركية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين واحدا تلو الآخر، مطالبا إياهم بإبرام صفقات فردية مع إدارته، إذا ما أرادوا تخفيفا من الرسوم، بدا جليا أن كارني، قد قيّم ما يحدث تقييما صحيحا.

كان ترامب يُعيد تشكيل النظام العالمي بالفعل، مُستغلا آخر ما تبقى من الهيمنة الأمريكية في محاولة لإعادة التوازن التجاري وإحياء الصناعات القديمة والجديدة، التي تخشى المنافسة الأجنبية.

عالم جديد ممكن

ومع ذلك، لا يُمكن التسليم بمستقبل هذا النظام، في ظل عقود من العقيدة الـ”نيو ليبرالية” والمصالح المادية الراسخة، لا سيما أنه يُسبب ضررا اقتصاديا ملموسا لقطاعات من النخبة الرأسمالية، ومن أبرزهم الملياردير حليف ترامب السابق، إيلون ماسك.

ويحذر هؤلاء من أن زيادة تكاليف الأعمال والأسعار التي يدفعها المستهلكون، ستؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك، وهو محرك رئيس لأكبر اقتصاد في العالم.

ويشير فيليب كونليف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لندن، بمجلة “جاكوبين” الأمريكية، إلى أن سياسات ترامب ستؤدي لاندلاع “موجة من التمرد الشعبي، إلى جانب إعادة تموضع للتحالفات بين الدول، حيث ستتفاقم الاضطرابات الناشئة بفعل التحولات الجيوسياسية، وأزمة المناخ المتسارعة”.

وبمعنى ما، فإن هناك فرصة لتقديم رؤى إنسانية بديلة للعلاقات الاقتصادية، داخليا وخارجيا، رؤى منحازة لعالم لا يجعل منطق السوق حاكما لكل حياتنا.

فلا يظل، على سبيل المثال، التعاون مع المحتل في ظل الإبادة الجماعية بغزة، محكوما بحسابات المكسب والخسارة.

رسوم ترامب، تشير إلى أن العالم في حالة مخاض، وهي فرصة لكسر سنوات من الجمود، فهل تقتنصها الشعوب، أم نواصل السقوط للهاوية؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان