سر استقالة الخالدي وتقييد الحرية الأكاديمية في الجامعات الأمريكية لحماية إسرائيل

كانت الحرية الأكاديمية من أهم مصادر قوة أمريكا، حيث جذبت الآلاف من الباحثين من كل دول العالم للدراسة والعمل في الجامعات الأمريكية، ونشر أبحاثهم في المجلات العلمية، فتراكمت ثروة من الأفكار الجديدة التي طبقتها الشركات، وقدم الباحثون حلولا مبدعة للمشكلات، وطوروا نظريات جديدة أسهمت في تحويل أمريكا إلى قاعدة للتقدم العلمي.
ولأن الحرية الأكاديمية هي الشرط الرئيس لنجاح الباحثين وتفوقهم، حيث تتيح لهم الإبداع والابتكار والاختراع، وطرح أسئلة جديدة واكتشاف الحقائق، فقد أصبح كل باحث يتوق إلى العمل في الجامعات الأمريكية، فذلك هو الطريق الوحيد للانطلاق والانعتاق من قيود الأجهزة الأمنية والرقابة التي تفرضها على البحث العلمي.
وظيفتي بناء القوة الإعلامية لأمتي
وبالرغم من أنني حددت موقفي منذ عام 1991 ورفضت الحياة في دول الغرب، وقررت أن يكون علمي لوطني وأمتي، إلا أنني أصارحكم القول إن الندم تسلل إلى نفسي خاصة في السنوات العجاف الأخيرة، وبدأت أتلقى اللوم من أصدقاء كرام نصحوني يوما بالهجرة إلى أمريكا.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ذكرني أحد الأصدقاء منذ بداية سنوات المحنة بإجابتي عن سؤال وجهه لي رئيس قسم بجامعة عربية تقدمت للعمل بها: لماذا لم تنشر سوى القليل من دراساتك باللغة الإنجليزية؟ فأجبت بأن رسالتي هي بناء القوة الإعلامية والاتصالية لأمتي، وتحقيق حلم أمتي بأن يكون لها إعلام حر يعبّر عنها ويوفر لها المعرفة، ويدير المناقشة الحرة، لذلك أكتب بلغتي العربية التي أعتز بها، وأرى أنها أم اللغات، وأنها لغة الإسلام والحضارة والثقافة والقيادة والفروسية والفصاحة، وأن دراساتي وكتبي تسهم في بناء مستقبل أمتي التي أعتقد أنها ستعود يوما قوية عزيزة تحقق العدل والحرية وتبني الحضارة.
سقوط الخرافات الأمريكية
اليوم أدركت أنني كنت على حق، وأن قراري كان صحيحا وصائبا، فالحرية الأكاديمية قد فرض ترامب عليها القيود، وهدد الجامعات الأمريكية بحرمانها من التمويل الفيدرالي إن لم تخضع لشروطه، وتلك أهم مؤشرات سقوط أمريكا وانهيارها، فسوف تتناقص الفروق بين الجامعات في أمريكا ودول الجنوب الفقيرة التي تتحكم فيها أجهزة الأمن، وتمنع الأكاديميين والطلاب من التفكير والتعبير والبحث، ولن تصبح الجامعات الأمريكية منتجة للمعرفة، ولن يتطلع الباحثون للانطلاق في فضاء الحرية الأمريكي.
العداء للسامية وتقييد الحرية!!
لكن ما الشروط التي فرضها ترامب على الجامعات؟! في 29 يناير/كانون الثاني 2025 أصدر ترامب قرارا يستهدف منع “العداء للسامية” في الجامعات، ويعدّ أي نقد يتم توجيهه لإسرائيل هو عداء للسامية، ويطالب الجامعات بمراقبة الأنشطة الطلابية والأكاديمية المؤيدة لفلسطين، وتوجيه أوامر حكومية بترحيل الطلاب والأساتذة أو سحب تأشيراتهم.
وقررت إدارة ترامب حرمان أية جامعة لا تقوم بتنفيذ هذه الإجراءات من الأموال التي تخصصها الإدارة الفيدرالية، وتم تجميد 400 مليون دولار كانت مخصصة لجامعة كولومبيا، لذلك اضطرت للخضوع، كما قامت إدارة ترامب بتجميد أية برامج تتحدث عن الشرق الأوسط، وتتضمن أية انتقادات لإسرائيل، وتعيين شرطة جامعية تقوم بالقبض على الطلاب الذين يقومون بالاحتجاجات، كما تم حرمان جامعة هارفارد من التمويل، وتم فرض الرقابة على البرامج الأكاديمية.
لذلك اضطرت جامعة كولومبيا لقبول التعريف الذي فرضته إدارة ترامب للعداء للسامية، واستخدامه في فحص المناهج الدراسية.
استقالة رشيد الخالدي.. لماذا؟!
نتيجة لذلك قدم رشيد الخالدي استقالته من جامعة كولومبيا، وبرر ذلك بأنه من المستحيل أن يقوم بالتدريس مع الالتزام بالتعريف الجديد لمعاداة السامية الذي يحظر أي نقد لإسرائيل، وأنه يرفض الرقابة الأكاديمية الخارجية التي تقيد المناقشة الحرة، حيث أصبح الطلاب والأساتذة يخافون من طرح الأسئلة حتى لا يتم إبلاغ هيئة الرقابة المؤسسية عنهم، وهذا يقيد حرية النقاش الفكري.
وأضاف رشيد الخالدي: إنني مضطر للانسحاب بسبب السياسات المقيدة للحرية الأكاديمية، فهذه السياسات تحوّل حرية التعبير إلى حبر على ورق، وتشكل خروجا على هوية الجامعة الأكاديمية، فأي نقد لإسرائيل يؤدي إلى اتهامات بمعاداة السامية، مما يهدد حرية التعبير والبحث الأكاديمي.
فرض الأيديولوجية على الجامعات
قامت إدارة ترامب بتوسيع الرقابة على الجامعات لتشمل ما وصفته بالتحيز اليساري، ودعت إلى مراقبة العقائد المتطرفة المنتشرة في الجامعات، واعتبرت أن بعض الأساتذة يشكلون خطرا على القيم الأمريكية، كما فرضت قيودا على تأشيرات الطلاب والأساتذة، خاصة من الدول الإسلامية.
ومارست إدارة ترامب ضغوطا غير مباشرة على الجامعات لعدم تبني أية دراسات أو مؤتمرات أو ندوات تنتقد صفقة القرن أو اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، لذلك اضطر رشيد الخالدي للاستقالة لأنه ينتقد سياسات ترامب تجاه فلسطين، واتهم إدارة ترامب بإسكات الأصوات المؤيدة للعدالة الفلسطينية في الجامعات الأمريكية.
وهاجمت إدارة ترامب بعض البرامج الأكاديمية مثل الدراسات الإسلامية ودراسات ما بعد الاستعمار بحجة أنها تحرض على مناهضة أمريكا، كما ضغطت إدارة ترامب على إدارات الجامعات لمنع أنشطة مثل مؤتمرات دعم فلسطين، والاعتصامات المؤيدة لحركة مقاطعة إسرائيل، وتم إغلاق فروع لمنظمات طلابية مؤيدة لفلسطين مثل “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”.
لذلك فقدت الجامعات الأمريكية استقلالها، وأصبحت مكانا للخوف والاستبداد، حيث يتم فيها منع الأساتذة والطلاب من التعبير تحت التهديد بالعقوبات الصارمة، وتحولت الجامعات من مؤسسات للعلم والاستقلال الفكري إلى إمبراطورية تجارية تخضع لمطالب الحكومة الفيدرالية، وعبّر رشيد الخالدي عن قلقه من الوضع القمعي داخل حرم جامعة كولومبيا، الذي جعلها فضاء مكبلا بالقوانين بعد أن كانت مكانا للعلم والحرية.
ويُعد رشيد الخالدي من أهم الأكاديميين في مجال دراسات الشرق الأوسط، حيث قدم إنتاجا علميا متميزا، ومن أهم كتبه “حرب المائة عام على فلسطين” الذي كان من أكثر الكتب توزيعا، والذي يوضح فيه أن القضية الفلسطينية هي حرب استعمارية طويلة شنتها قوى غربية استعمارية لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين، وأن إسرائيل مشروع استعماري استيطاني غربي، لذلك لم يكن أمام رشيد الخالدي سوى أن يستقيل لأن إدارة ترامب فرضت الرقابة على الجامعات لمنع انتشار هذه الحقيقة!.
