عملية الدوحة لاغتيال وفد حماس المفاوض.. لماذا وما تداعياتها؟

في صراحة تجاوزت حد الوقاحة تطوع رئيس الكنيست الإسرائيلي (البرلمان وهو من غرفة واحدة)، أمير أوحانا بإعلان الهدف الرئيس والحقيقي للهجوم الإرهابي الإسرائيلي على حي سكني في العاصمة القطرية الدوحة. كتب أوحانا، في منشور على منصة «إكس» (تويتر سابقًا)، واصفًا الهجوم؛ بأنه «رسالة لكل الشرق الأوسط».. هكذا بكل وضوح، وبلا مواربة.
الشرق الأوسط يشمل «كل الدول العربية، وتركيا، وإيران».. أي أن الكيان الصهيوني لا يعترف بـ«سيادة» هذه الدول جميعًا، ويحق له خرقها، والعدوان عليها، وقتما يشاء. وليذهب القانون الدولي إلى الجحيم، فلا قيمة لنصوصه التي تمنع انتهاك سيادة الدول، وتنزع المشروعية عن «عمليات الاغتيال لمدنيين»، خارج مناطق الصراع، وتصنفها بأنها جرائم دولية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
الطيران الإسرائيلي، شن 12 غارة جوية، بـ15 طائرة مقاتلة شبحية (لا تكتشفها الرادارات)، على حي سكني في الدوحة يقطنه زعماء «سياسيون»، لحركة حماس، يتكون منهم الوفد المفاوض، في محادثات وقف الحرب في غزة، التي تجري بوساطة مصرية قطرية. رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، أعلن أن الغارات استهدفت القيادي بـ«حركة حماس»، خالد مشعل، ورئيس وفدها المفاوض لوقف إطلاق النار خليل الحية، وعضو مكتبها السياسي زاهر جبارين.
خطة ترامب الغامضة.. وخداع إيران
حسبما أوردت «قناة الجزيرة»، فالوفد كان وقت الغارات في اجتماع لدراسة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار، وصفقة تبادل الأسرى.
هنا، نستذكر، ما جرى أثناء الجولة الخامسة من مفاوضات أمريكا، وإيران حول البرنامج النووي للأخيرة في شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث شنت إسرائيل هجومًا عسكريًّا واسعًا على إيران. تبين لاحقًا، أن ترامب، مارس عملية خداع لإيران، لصالح إسرائيل. فهل أراد ترامب، بخطته الغامضة لوقف الحرب في غزة، المعلنة قبل يومين خداع حماس، واستدراج وفدها المفاوض، للالتئام بالاجتماع في الدوحة، لتسهيل عملية الاغتيال الإسرائيلية؟ وارد جدًّا هذا الاحتمال.
فالبادي من مُجمل مواقف ترامب اتجاه حرب الإبادة النازية التي تمارسها إسرائيل على غزة، أنه مفتون إعجابًا بصديقه النازي «نتنياهو»، أو أنه تحول إلى أداة طيعة بيده. فمن المعلوم بالضرورة، أن نتنياهو لا يمكنه الإقدام على هذا الهجوم الجبان والإرهابي على قطر دون ضوء أخضر وموافقة من ترامب.
خرق السيادة لـ5 دول عربية في يومين
بالعودة لتعليق رئيس الكنيست أمير أوحانا (مغربي الأصل، ومثلي)، فماذا عن الدول العربية؟ متى تفيق من سُباتها العميق، وتدرك أنها جميعًا ليست في مأمن، أو حصانة من الغدر، والإرهاب والإجرام الإسرائيلي، المدعوم أمريكيًّا على الدوام؟ ألا يكفي للاستيقاظ والإفاقة، أن إسرائيل، في اليومين الماضيين، هاجمت وخرقت سيادة خمس دول عربية هي: لبنان، وسوريا، واليمن، وقطر، وتونس؛ بهجوم مُسيرة إسرائيلية، قبالة سواحلها على إحدى سفن أسطول الصمود لكسر الحصار عن قطاع غزة؟ هذا فضلا عن الإبادة المستمرة للقطاع، منذ 23 شهرًا.
صحيح أن الدول العربية جميعًا أعلنت تضامنها مع قطر، وأصدرت بيانات شديدة اللهجة، بإدانة الهجوم الإسرائيلي، مثلما توالت الإدانات الأوروبية والدولية، ومن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. لكن، هل تكفي الإدانات العربية وهي في النهاية مجرد كلام؟ ألا يجب على العرب الاتحاد على قرارات وإجراءات عملية، رادعة لإسرائيل؟ لا أحد ينادي بالذهاب إلى حرب. نتحدث عن إجراءات عقابية بأدوات دبلوماسية، وسياسية، واقتصادية، مملوكة للعرب؛ على شاكلة تعليق اتفاقات التطبيع، والتعاون التجاري، وطرد السفراء، وغيرها من الأدوات الفاعلة، والموجعة.
لماذا قطر والوفد المفاوض؟
بعيدًا عن الهدف الرئيس الذي فضحه «أوحانا» ما هي أهداف الكيان الصهيوني من هذا الهجوم على قطر، وهي الدولة الوسيط مع مصر برعاية أمريكية، لمفاوضات وقف الحرب على غزة؟ ولماذا استهداف الوفد المفاوض في سابقة غير معهودة في العالم؟
العدوان على قطر، هو إعلان مدوٍّ، بالنار بأن «الكيان الصهيوني»، مستعد لكسر أي خطوط حمراء، واختراق أي حدود جغرافية، أو قانونية، في مُطاردة أو مُلاحقة الأعداء، أو الخصوم دون اعتبار لسيادة الدول. هذه الرسالة، تتساند، وتتكامل مع مضمون كلمات أوحانا الصريحة.
كما أن نتنياهو، باستهدافه لقطر، يريد إفشال المسار التفاوضي مع حماس، ودفع قطر للتنحي عن دورها، وهو ما حدث فعليًّا، بإعلان قطر تعليق جهودها للوساطة. «نتنياهو» يريد تصفية قيادات حركة حماس، الذين أشار إليهم في تصريحاته أمس عقب الهجوم. مبتغيًا، تقديم العملية إلى المجتمع الإسرائيلي باعتبارها نصرًا يعوضه، عن الفشل في تحقيق أهداف حرب الإبادة على غزة. وإرهاب «المفاوضين»، لإرغامهم على تقديم التنازلات. لكن الأمور لم تجرِ على هوى نتنياهو، فقد فشلت العملية بإعلان حماس نجاة القادة المستهدفين. وانهالت على «الكيان»، ردود دولية وأوروبية غاضبة بما نال من مكانته، وزاد عزلته الدبلوماسية التي تتنامى في العالم، وتتسع.
147 أسيرا من غزة وسجل أسود
إسرائيل لها سجل أسود من انتهاك سيادة الدول، على فترات متباعدة لاغتيال خصومها، لكنها الآن، تمارس الإرهاب والعربدة على الدول العربية، بمساندة أمريكية، راغبة في انصياع العرب جميعًا تحت قيادتها. حتى دولة قطر التي نجحت مع مصر، في الوساطة، لعقد اتفاقي هدنة بين إسرائيل وحماس، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ويناير/كانون الثاني 2025، وأعادا نحو 147 أسيرًا في غزة إلى «إسرائيل»، في حين أنها لم تنجح عسكريًّا إلا في استعادة 8 أسرى فقط طوال فترة حرب الإبادة المستمرة منذ 23 شهرًا.
إن قطر رسول سلام، سبق لها حل العديد من النزاعات الدولية بقدراتها التفاوضية، ونهجها المتسامح، ولا يجوز قانونًا، ولا أخلاقًا أن تكون هدفًا عسكريًّا. مثلما أن وفد حماس المفاوض له حرمة، ولا يجوز استهدافه، فالوسطاء والمفاوضون مشمولون بالحماية، والاعتداء عليهم يُعد جريمة حرب. لكنها إسرائيل الدولة المارقة.
