هنا سد النهضة.. هل لديكم مشكلة؟!

رئيس وزراء إثيوبيا يستقبل ضيوفه في افتتاح سد النهضة (الأناضول)

نظر في مرآة السيارة الحديثة التي تقلّنا من مطار بولي الدولي، الذي يقع شرق العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، عندما علم أنني صحفي مصري، وسأل مبتسمًا: هل لديكم مشكلة في المياه؟ فأجبته: ليس لدينا مشكلة حتى الآن، ولكن عندما يصبح لدينا مشكلة ستكون لديكم أنتم أيضًا مشكلة.
كرر السائق الشاب سؤاله بعصبية واضحة، وكأنه لم يدرك الإجابة، ورددت بمثلها مكررًا، لينتهي الكلام قبل أن يسود الصمت خلال الرحلة القصيرة التي استغرقت سبع دقائق من المطار إلى منطقة الفنادق القريبة.

بعد سبع سنوات من تولّيه منصب رئيس وزراء إثيوبيا وقف آبي أحمد أمس الثلاثاء وسط عدد من الرؤساء الأفارقة ليعلن افتتاح سد النهضة، معتبرًا أنه “إنجاز عظيم لكل المجتمعات السوداء”.
الافتتاح الذي صحبته احتفالات شعبية ورسمية ضخمة أثار غضبًا في مصر والسودان، بسبب فشل المفاوضات الثلاثية التي استمرت لسنوات حول السد الذي أُقيم على النيل الأزرق، على بعد ثلاثين كيلومترًا من الحدود الإثيوبية مع السودان.

مشروع قديم

استطاع السياسي، الذي يبلغ من العمر 49 عامًا، أن يدفع بالمشروع الطموح إلى واجهة النور بعد سنوات من التعثّر والمشكلات المالية والفنية، إذ بدأ العمل في المشروع قبل أربعة عشر عامًا، ليجسد حلمًا بدأ قبل عقود لتوليد الكهرباء من النيل الأزرق. ففي الستينيات من القرن العشرين، قامت الولايات المتحدة عبر مكتب الاستصلاح الأميركي بدراسة شاملة لموارد النيل الأزرق بين عامي 1956 و1964، وأوصت هذه الدراسات بإنشاء عدة سدود في الهضبة الإثيوبية، من بينها موقع سد النهضة الحالي.
بدأ العمل أخيرًا في المشروع عام 2011، لكن المعارضة المصرية ثم السودانية تنامت عندما بدا أن إثيوبيا تعمل منفردة في مشروع سيؤثر في مصير دولتي المصب، وتتجاهل عملًا ينبغي أن يكون جماعيًّا.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

حصة مصر السنوية من مياه النيل الأزرق، وفق الاتفاقات القديمة التي ترى إثيوبيا أنها من ميراث الحقبة الاستعمارية، هي 55 مليار متر مكعب، وحصة السودان 18 مليارًا. وحتى الآن، رغم ملء السد، فإن حصتي مصر والسودان لم تتأثرا، لكن هذا حدث في سنوات هطل الأمطار والفيضان المتوسط، ولا توجد ضمانة لعدم تأثر البلدين في سنوات الجفاف والأمطار القليلة.

باستثناء نقاط فنية تتعلق بهندسة بناء السد فإن الخلاف لم يكن أبدًا على بناء السد، فهو حق لإثيوبيا من أجل الكهرباء والتنمية، لكن المعضلة في كيفية الإدارة والتشغيل في سنوات الشح والفقر المائي.

هنا أديس أبابا

قبل ساعات من مباراة مهمة بين منتخبي مصر وإثيوبيا بالقاهرة في تصفيات كأس العالم لكرة القدم، وقبل أيام من الافتتاح الرسمي لسد النهضة، الذي كان مقررًا له شهر سبتمبر/أيلول، قادتني المصادفة وحدها إلى أديس أبابا لحضور منتدى الصحفيين الأفارقة الذي عُقد على هامش القمة الإفريقية الثانية للمناخ بعد عامين من القمة الأولى التي استضافتها كينيا في 2023.

شاءت الأقدار أن أكون حاضرًا في لحظة تاريخية مهمة للبلد الذي وصلت إليه، قادمًا من مصر التي يزداد فيها عدم اليقين بشأن قدرتها مع السودان على مجابهة المخاوف من تداعيات سلبية للسد الأكبر في إفريقيا، الذي تعتبره إثيوبيا مشروعًا قوميًّا يلتف حوله شعب إثيوبيا المتعدد الأعراق، الذي مزقته حرب أهلية مدة سبعة عشر عامًا (1974–1991).

“الطريق إلى سبتمبر”

كان جمع قادة أفارقة في افتتاح سد النهضة مقصودًا، وكان المشهد معدًّا بعناية لاستغلال مناسبة قارية مهمة. ففي مارس/آذار الماضي قال آبي أمام البرلمان الإثيوبي: إن “السد سيتم تدشينه خلال الأشهر الستة المقبلة، سنقص الشريط معًا”.
لم يعطِ رئيس الوزراء الإثيوبي أمام البرلمان أي تفاصيل إضافية، وفي يوليو/تموز الماضي قال إنه سيتم افتتاح السد رسميًّا خلال سبتمبر/أيلول المقبل من دون تحديد موعد قاطع، لكن قبل ذلك، في منتصف يونيو/حزيران، أعلن آبي أحمد عن استضافة إثيوبيا للقمة الإفريقية الثانية للمناخ خلال سبتمبر/أيلول أيضًا، وذلك بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي الذي يقع مقره في العاصمة أديس أبابا.

بعد أن استعدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لاستضافة قمة أفريقيا للمناخ، وبعد أن اطمأنت لمشاركة عدد لا بأس به من دول الإقليم وقادة القارة السمراء، أعلن في أواخر أغسطس/آب أن افتتاح السد سيتم في التاسع من سبتمبر/أيلول، قبل يومين من بداية السنة وفق التقويم الإثيوبي، الذي يوافق الحادي عشر من الشهر نفسه.

من الذي حضر؟

قراءة أسماء القادة الذين حضروا الاحتفال، وفقًا لوكالة الأنباء الإثيوبية (E.N.A)، تقودنا لعدة ملاحظات جديرة بالاهتمام، وهي:
أولًا: إن قادة دول الجوار في شرق إفريقيا هم فقط الذين حضروا الافتتاح، وهم رؤساء كينيا، وجيبوتي، والصومال، وجنوب السودان.
ثانيًا: هناك دولتان من الحاضرين هما الصومال وجيبوتي، تربطهما علاقات استراتيجية مع مصر، وهناك قوة عسكرية مصرية في الصومال بعد توتر في العلاقات بين أديس أبابا ومقديشو.
ثالثًا: يلفت النظر أن رئيس الاتحاد الإفريقي لدورة العام الحالي جواو لورينسو، رئيس جمهورية أنغولا، كان موجودًا في إثيوبيا لكنه لم يحضر، بالرغم من أن رؤية الاتحاد الإفريقي هي ضرورة ربط القارة في مجال الطاقة لضمان توفير الكهرباء لستمئة مليون شخص في القارة يحتاجون إلى الكهرباء، وهي رؤية تتوافق مع إنشاء السد الذي يخطط له أن ينتج من 5 إلى 6 ميغاوات.
عدم حضور رئيس الاتحاد الإفريقي صحبه أيضًا نأي بعض القادة عن الحضور إلى إثيوبيا أو حضور قمة المناخ وعدم المشاركة في الافتتاح، مثل نائبة رئيس جمهورية غانا “جين نانا أوبوكو-أغيمانغ” التي كانت موجودة في أديس أبابا لحضور قمة إفريقيا للمناخ لكنها لم تحضر الافتتاح.
رابعًا: لم يكن الحضور تأييدًا مطلقًا، فقد اتجهت كلمات الضيوف نحو الدفع للتشارك والتعاون ونبذ الصراع، فقد قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في كلمته: “لا ينبغي لأي دولة أن تشعر بالإقصاء، ولا ينبغي لأي دولة أن تتحمل العبء بمفردها. يذكرنا افتتاح اليوم بأن إنجازنا الحقيقي يكمن في الشراكة، وفي الحفاظ على الثقة، وفي بناء الوحدة للأجيال القادمة”.
خامسًا: ركز الإعلام الإثيوبي على دموع رئيس الوزراء، واستطاع استغلال المشهد عاطفيًّا بدرجة كبيرة، وبث الحماسة والشعور الوطني لدى الإثيوبيين، حيث قام التلفزيون الحكومي ببث مباشر وبتغطيات خاصة، وكذلك فعلت القنوات الخاصة مثل “EBC” و”Fana” و”Walta”.

في أماكن متفرقة بالعاصمة والأقاليم كانت هناك احتفالات، لكن الزخم الأكبر كان في منطقة التشغيل عند السد، وسط فرحة عارمة بما يراه الإثيوبيون انتصارًا كبيرًا وبارقة أمل لتوصيل الكهرباء إلى نحو 60 مليون من المواطنين الذين لا تصل إليهم، في بلد تعداده 120 مليون نسمة.

نجح آبي أحمد في تأجيج الشعور الوطني والدفع نحو الوحدة بين الأعراق والأقاليم التي تناحرت كثيرًا، ليوجِد حالة نادرة من الاتحاد حول هدف وطني، أدت إلى نجاح الحكومة في بناء السد بتمويل محلي بتكلفة 5 مليارات دولار، تكفل البنك المركزي الإثيوبي بـ91% منها، وساهم الشعب الإثيوبي بـ9%، وقد كان هذا العنوان الرئيسي لصحيفة “Capital” قبل يوم الافتتاح.

اختبار

أن تكون مصريًّا في إثيوبيا وقت افتتاح سد النهضة فهذا اختبار متعدد الأوجه، فقد يدفعك الرفض إلى عدم التواصل، وبالتالي عدم الفهم والإدراك والتحليل السليم.

في مركز المؤتمرات بأديس أبابا، الذي استضاف القمة الإفريقية للمناخ، التقيت “إرمياس أليمو”، وهو طالب يدرس هندسة المياه، فكشف النقاش معه أن هناك زيادة كبيرة في دارسي تخصص هندسة المياه وطرق الري، وأنه يتمنى العمل في سد النهضة ليتزوج من زميلته التي تدرس الطب، لكنه مقتنع بأن بلاده لن تسبب ضررًا لأحد.

نسرين كندش، الصحفية الإثيوبية التي درست في السودان، ترى أنه لابد من تعاون مصر وإثيوبيا لأن التغيرات المناخية تحتاج تضافر كل الجهود.
برغم النيات الطيبة للشعب الإثيوبي فإن قيادته لم تكن حريصة على التوافق ومضت وحدها.

أين سائق المطار؟

في يوم الافتتاح صدر بيان الخارجية المصرية الذي وجهته إلى مجلس الأمن، حيث شددت مصر على “أن أية تصورات مغلوطة بأن القاهرة قد تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل هي محض أوهام، وأن مصر متمسكة بإعمال القانون الدولي في نهر النيل، ولن تسمح للمساعي الإثيوبية للهيمنة على إدارة الموارد المائية بصورة أحادية”.

أصبح السد أمرًا واقعًا ولابد من سبيل جديد للتعامل مع الأمر حفاظًا على مصالح دول حوض النيل، لكن الواقع أن المخاوف المصرية السودانية ما زالت تراوح مكانها. وبرغم تعاطفي مع طالب الهندسة، وتقديري نياته، فقد تمنيت أن أقابل سائق المطار مرة ثانية كي أجيبه بدون تردد: نعم.. أصبح الآن لدينا مشكلة!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان