حزب أتاتورك بين سندان الخلافات الداخلية ومطرقة الملاحقات القانونية

اشتباكات ومواجهات عنيفة شهدها محيط مقر حزب الشعب الجمهوري بإسطنبول على خلفية قرار المحكمة التي قضت بعزل قيادات الحزب بالمحافظة للاشتباه في وقوع مخالفات إجرائية وقانونية خلال مؤتمره العام المنعقد في 3 إبريل/نيسان 2023.
المواجهات استدعت تدخلًا حازمًا من جانب قوات الأمن، التي نشرت العديد من فرق مكافحة الشغب، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين من أنصار أعضاء المجلس الذين تم عزلهم بقرار من المحكمة، وهم من المنتمين لجناح أوزغور أوزيل الرئيس الحالي للحزب، والمؤيدين لأعضاء المجلس المنتخب الذين تمّت إعادتهم لمناصبهم لحين إجراء انتخابات جديدة، وهم من الجناح المؤيد لكمال كيليجدار أوغلو الرئيس السابق للحزب.
المحتجون أعلنوا رفضهم للقرار، الذي عدّوه قرارًا سياسيًّا مغلفًا بحكم قضائي، وتدخلًا من جانب الحكومة في شؤون الحزب بهدف إضعافه، والقضاء على مكانته السياسية، لضمان عدم منافسته لحزبها في أي استحقاقات انتخابية مقبلة. وسعوا لمنع عودة أعضاء المجلس المنتخبين إلى مواقعهم، وعرقلوا دخولهم مبنى الحزب، في محاولة لإفشال عملية التسليم والتسلم التي قررتها هيئة المحكمة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
أوزغور أوزيل رئيس الحزب ومؤيدوه اتخذوا عدة خطوات وإجراءات لمواجهة الأزمة التي يتعرض لها حزبهم على الصعيدين القانوني والداخلي، مما يمثل تهديدًا وجوديًّا لمكانتهم باعتبارهم قادة الحزب، لمصلحة منافسهم كيليجدار أوغلو والجناح الداعم له، الذين رحبوا بالإجراءات القانونية وحكم المحكمة، وأبدوا استعدادهم للعودة إلى مناصبهم، وقيادة الحزب في هذا الوقت العصيب الحساس الذي يمر به إذا ما صدر حكم محكمة أنقرة في الخامس عشر من الشهر الجاري ببطلان نتائج المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في إبريل/نيسان 2023.
دعوة أبناء أتاتورك إلى حماية منزله ومعقل علمانيته
من هذه الإجراءات التي اتخذها أوزيل ورفاقه؛ التأكيد على رفضهم الاعتراف بحكم المحكمة، والتقدم بطعن فيه أمام القضاء، والتشديد على مقاومتهم لما وصفوه بـ«الانقلاب القضائي» للحكومة ضد حزبهم.
كما طالبوا أنصارهم في جميع المحافظات بالخروج في تظاهرات واحتجاجات لكونهم «أبناء أتاتورك» للتعبير عن رفضهم لما وصفوه بالمؤامرة التي يتعرض لها الحزب، ولحماية ما سموه «منزل أتاتورك» رمز الجمهورية التركية، ومعقل علمانيتها –في إشارة إلى الحزب– مؤكدين أن معركتهم الحالية لا علاقة لها بالمناصب السياسية والمنافسة الحزبية، وإنما ترتبط بالقيم الأساسية للدولة ومبادئ الجمهورية.
وأعلنوا استمرار أوزغور تشيليك في منصب رئيس مجلس إدارة الحزب بإسطنبول، وفصل جورسال تكين الرئيس السابق لفرع الحزب بإسطنبول الذي عينته المحكمة وصيًّا، مما يجعل توليه لأي منصب حزبي مسألة غير قانونية، ويخالف اللوائح الداخلية للحزب مخالفة صريحة. إلى جانب التهديد صراحة بفصل كمال كيليجدار أوغلو الرئيس السابق للحزب نفسه إذا وافق على العودة لرئاسة الحزب بقرار الوصاية الذي ينتظر أن تصدره محكمة أنقرة في 15 من الشهر الجاري.
الدعوة إلى مؤتمر استثنائي تحسبًا لحكم المحكمة المنتظر
كما حددوا تاريخ 21 من سبتمبر/أيلول الجاري موعدًا لعقد مؤتمر استثنائي لإعادة انتخاب أوزيل وأعضاء الهيئة العليا للحزب مرة أخرى لمواجهة احتمالية عزلهم من مناصبهم، وتحديد الآليات التي سيتم اعتمادها لمواجهة الأخطار التي يتعرض لها الحزب سواء على الصعيد الداخلي أو فيما يخص الملاحقات القانونية التي تقودها الحكومة ضدهم.
وتجرى نقاشات داخلية على مستوى موسع لتحديد موعد عقد مؤتمر استثنائي لفرع الحزب بإسطنبول بهدف إعادة اختيار رئيسه وأعضاء مجلس إدارته مرة أخرى في أقرب وقت ممكن، حتى يتم التخلص من الآثار التي ترتبت على حكم المحكمة، وإغلاق ملف الأوصياء على الحزب بإسطنبول نهائيًّا.
وذلك سط ادعاءات بأن الهيئة العليا السابقة للحزب، ورئيسها كمال كيليجدار أوغلو، تحولوا إلى بيادق ومعاول في يد حزب العدالة والتنمية الحاكم لمحاربة وهدم الحزب الذي يحمل على عاتقه مسؤولية حماية مبادئ أتاتورك، مفضلين تحقيق مصالحهم الشخصية وتطلعاتهم السياسية لاستعادة مناصبهم القيادية، حتى وإن أتى ذلك من بوابة الوصاية على حزب المعارضة الرئيس في الدولة، على حساب مصلحة القيم والمبادئ التي أقرها أتاتورك للجمهورية التركية.
تدشين مرحلة جديدة من صراع الأجنحة داخل الحزب
كيليجدار أوغلو أبدى استعداده للعودة إلى منصب رئاسة الحزب في حال صدر حكم محكمة أنقرة في الخامس عشر من الشهر الجاري بإبطال النتائج التي أفرزها المؤتمر العام للحزب في إبريل/نيسان 2023، حماية للحزب من مصير مظلم ينتظره إذا لم يتقدم أحد ويتولى هذه المسؤولية، مؤكدًا أنه لن يترك حزبه لقمة سائغة في أفواه الطامعين أو المتآمرين.
وهي التحركات التي تدشن لمرحلة جديدة من الصراع السياسي المحتدم بين أجنحة الحزب المختلفة، خاصة في ظل دلائل قوية تشير إلى احتمال دخول الجناحين المواليين لكل من أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، الذي يحاكم حاليًّا بتهم فساد واستغلال للمنصب، ومنصور يافاش رئيس بلدية أنقرة المرشح لخلافة إمام أوغلو في خوض سباق الانتخابات الرئاسية، على خط الأزمة.
وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تفكيك الحزب وتشرذمه بين أجنحته المختلفة، والقضاء على مكانته، وربما غيابه كليًّا عن الساحة السياسية التركية مع استمرار حالة التصعيد بين قياداته، بعد حوالي مئة عام قضى معظمها في تولي دور حزب المعارضة الرئيس بالبرلمان.
تاريخ الحزب ومبادئه
حزب الشعب الجمهوري الذي تأسس عام 1923 على يد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان قيمًا على مبادئه ومنفذًا لسياساته، هو أقدم حزب سياسي على الساحة التركية، ويشكل المعارضة الرئيسة في البرلمان التركي منذ عقود، ويعد نفسه حامي حمى العلمانية والمدافع عن تطبيق قيمها في المجتمع.
كما يعد نفسه الحارس الوحيد للمبادئ التي تم تأسيس الجمهورية التركية عليها، وتشمل المبادئ الستة لفكر أتاتورك، وهي المبادئ التي تمثلها الأسهم البيضاء التي يحويها علم الحزب ورمزه، وهي: الجمهورية، والعلمانية، والقومية، ومركزية الدولة، والشعب، والثورة.
تاريخ طويل في خدمة العلمانية والمبادئ الغربية
ترتكز القاعدة الشعبية للحزب على أبناء الطبقة المتوسطة من اليساريين، والمثقفين، والعسكريين، والعمال، وأعضاء النقابات المهنية. خلال مرحلة الحزب الواحد التي عاشتها تركيا كان حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الرئيس في البلاد، وهي الحقبة التي تولى فيها إدارة أمور الدولة، حيث أصدر العديد من القوانين والقرارات التي هدفت إلى تحويل بوصلة الأتراك من الشرق بعاداته وتقاليده وعقائده إلى الغرب بكل قيمه ومبادئه، تحقيقًا لرغبة أتاتورك وتنفيذًا لمبادئه.
فحظر ارتداء الحجاب على النساء، والقفطان والطربوش على الرجال، وأُغلقت مدارس تحفيظ القرآن، ومُنع الأذان باللغة العربية، وتُرجم القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وأصبح يُتلى بها. وأُلغيت الأحرف العربية تمامًا واستُبدلت بالأحرف اللاتينية، ومُنعت المحجبات من الوجود في الميادين الإدارية والمصالح الحكومية بما في ذلك الجامعات والمستشفيات والمحاكم.
كما شن حملة واسعة لتجريم رجال الدين الرافضين لهذه الإجراءات التعسفية، فاعتقلهم ونفى معظمهم، ونفذ حكم الإعدام في عدد منهم، إلى جانب هدمه للكثير من المساجد والجوامع في مختلف أنحاء البلاد، وأمر بتحويل بعضها إلى مخازن للوزارات وإسطبلات للخيول بزعم كثرة عددها عن الحاجة.
الأزمة الحالية التي تعصف بكيان حزب الشعب الجمهوري، ومحاولة إلقاء التبعة على كاهل الحكومة، تؤكد أن الصراعات الداخلية أفقدت قياداته توازنها وقدرتها على الرؤية بموضوعية. وأنه إذا لم يتم تحكيم العقل في التعاطي مع الأوضاع التي يمر بها الحزب، واستمرار انتهاج سياسة التعنت في اتخاذ القرارات، وإلقاء الاتهامات جزافًا على الدولة وحزبها الحاكم، وغياب آليات المصالحة بين أجنحته المتنازعة على السلطة فيه، وتجاهل التعاطي بحكمة لتجاوز الوضع الراهن وتوحيد الصف؛ فإن احتمال فقدان مكانته بوصفه أكبر حزب معارض في البلاد، وتراجع شعبيته، لن يكون أمرًا مفاجئًا لأحد.
