العدوان على الدوحة.. وجه إسرائيل السيكوباتي

آثار الجريمة الإسرائيلية لحظة استهداف مكتب حماس بالدوحة (الفرنسية)

لم يكن العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية «الدوحة»، لاستهداف قيادات من الصف الأول بحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، لدى اجتماعهم لمناقشة مقترح هدنة أمريكي، عملية عابرة أو سابقة غير مسبوقة.

يستنسخ العدوان سلوكا إسرائيليا نمطيا معتادا، دأبت دولة الاحتلال على ارتكابه سابقا، ولن تستنكف عن ارتكابه في المستقبل.
صحيفة الحالة الجنائية الإسرائيلية تزدحم بجرائم مماثلة، اقترفها جيشها «الأخلاقي»، ضد بلدان لم تكن في حالة حرب مباشرة معها، وليست حتى حدودية متاخمة، ومنها قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، وقصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط في تونس عام 1985.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

المتغير الجديد والوحيد، أن هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها جيش العدو عاصمة خليجية، استهدافا عسكريا مباشرا ومرتبا له.
لكن دول مجلس التعاون لم تكن قبل ذلك بمنأى عن الغدر الإسرائيلي، والدليل عملية اغتيال المبحوح في الإمارات عام 2010.
الفرق الوحيد أن الأولى كانت عملية استخبارية، أما قصف مقر اجتماع حماس في الدوحة فعملية عسكرية خشنة وسافرة.

تغيير سلاح الجريمة قد يكون طارئا مهما، ولعله يسترعي النظر والتمحيص ويتطلب التحليل والتفسير، لكنه بطبيعة الحال لا يشكل متغيرا جذريا، طالما كانت كينونة الجرائم هي هي.
الإرهاب الإسرائيلي ضد دول المنطقة لا يستثني حليفا أو عدوا، ولا يتجنب الأنظمة المرتبطة باتفاقيات تطبيع، كما حدث مع الأردن عام 1997 في محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي الأسبق لحركة «حماس» خالد مشعل، على أراضي المملكة، رغم توقيعها اتفاقية وادي عربة.

إرهاب إسرائيلي في قلب أوروبا

حتى القارة العجوز التي تكرمت على شراذم الصهاينة، حين أعطى من لا يملك لمن لا يستحق أرض فلسطين العربية، طالتها نيران الإرهاب الصهيوني في كثير من المنعطفات، ومن أشهرها حين أطلقت إسرائيل عملية «غضب الله» عام 1972، فاغتالت بأوامر مباشرة من رئيسة الوزراء السابقة غولدا مائير، قياديين فلسطينيين في فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص.

دع عنك ما يقال من أن العدوان على قطر يدشن مرحلة جديدة لطبيعة العلاقات بالمنطقة، ولا تلتفت إلى الأقاويل حول بدء مشروع الهيمنة الإسرائيلي عبر إعادة ترسيم الخرائط السياسية والاستراتيجية للمنطقة، فمنذ البداية كانت تلك هي ممارسات إسرائيل، وحتى النهاية ستبقى كذلك.
ولا تقف مليا أمام الأقاويل بأن إسرائيل أصبحت تشكل مصدر خطر على الأمن الإقليمي، فإسرائيل كانت وستبقى مصدر الخطر ومصدر الشر الأكبر، لا على الإقليم فحسب، بل على البشرية بأسرها.

ولا تتوهم أن الأزمة تكمن في الحكومة اليمينية المتطرفة برئاسة مجرم الحرب نتنياهو، فكل الحكومات الإسرائيلية يمينية ومتطرفة ومتورطة في جرائم إرهابية.
ولا تعط وزنا لزعيق ضيوف البرامج الفضائية بأن إسرائيل تتصرف وكأن لا قانون دولي.. بالله عليك، متى كان هنالك هذا القانون الدولي؟

تفسير المفسر وتأكيد المؤكد لن يجدي نفعا، ولا يعدو إلا أن يكون كبيانات الشجب والتنديد والاستنكار العربية التي لا تقتل ذبابة.
نحن إزاء كيان إرهابي، لا سقف ولا رادع ولا قانون يكبح نوازعه الوحشية وفطرته الدموية.

والمثير والحال كذلك، أن الطبيعة العدائية الإسرائيلية تستدعي المقولات السوسيولوجية والسيكولوجية بشأن إصابة الأنظمة السياسية باضطراب الشخصية السيكوباتية.

هذه ليست مبالغة، فعلماء الاجتماع السياسي سبقوا إلى وصم بعض الأنظمة بالسيكوباتية، مستندين في ذلك إلى محددات قياسية وسلوكيات أو أعراض ظاهرة إذا ما انتهجتها الدول دخلت في قائمة الدول السيكوباتية الشريرة.

إذا كان الشخص يصنف سيكوباتيا متى ظهرت عليه ميول للعدوانية إزاء الآخرين، وتعمد إيذائهم بغير مبرر واضح، واللجوء إلى الخداع والمراوغة، وعدم التعاطف مع الضحايا، وإيجاد المبررات للبطش بهم، فإن توافر السمات ذاتها في نظام سياسي يصنفه في الخانة ذاتها.

النازية والصهيونية نموذجان متطابقان

في ضوء تلك المحددات تتفق الدراسات على أن النازية كانت المثال الأبرز على إمكانية ظهور أعراض السيكوباتية على الأنظمة السياسية، لكن تلك الدراسات تتحاشى إلا قليلا تطبيق المعايير ذاتها لدى تناول الاحتلال الإسرائيلي.

يرجع ذلك بالقطع إلى الخوف من فزاعة تهمة معاداة السامية، التي تشهرها الصهيونية العالمية في وجه كل من ينبس ببنت شفة لكشف عورات إسرائيل، حتى لو كان ذلك في إطار بحثي وعلمي، كما فعلت مع المفكر الفرنسي الراحل رجاء غارودي حين طرح كتابه «الأساطير المؤسساتية لدولة إسرائيل».
هل هنالك سيكوباتية أعتى من قهر المفكرين والباحثين ووأد كلمة الحق في صدورهم؟

كل سمات السيكوباتية تتحقق في نموذج إسرائيل، الميل إلى العدوانية وعدم التورع عن ارتكابها هو إسرائيل.. وتعمد الإيذاء بغير مبرر هو إسرائيل.. والمراوغة والخداع وإيجاد ذرائع لتعذيب «الأغيار» هي إسرائيل.

سيكوباتية فظة تبدو أسبابها جينية وراثية أو قل بنيوية، سيكوباتية لم تشفِ غليلها بحرب الإبادة ضد سكان غزة؛ سيكوباتية لم ترتوِ من الدماء التي أراقتها في لبنان وسوريا واليمن، سيكوباتية لم تقنع بالحرب على إيران، فإذا بها تلتمس في الخليج مسرحا لارتكاب المزيد من الجرائم.

ومثلما لا يستجيب السيكوباتي الفرد للعلاج، ولا يمكن أن يبرأ من اعتلالاته النفسية، ولا يتسنى تعديل سلوكه لأنه يرفض من الأصل الاعتراف بخطئه، فإن الحال ذاته ينطبق على الدول.

شواهد التاريخ تفيد بأن الدول التي أسست على إراقة الدماء لم تتخلَ أبدا عن وحشيتها، إلا تحت سيف الإجبار، ونعود إلى النموذج النازي باعتباره الأقرب شبها بإسرائيل لتأكيد ذلك.

واللافت وفقا لاستخلاصات علم النفس العلاجي، أن لا رادع يكبح السيكوباتي إلا ثلاث آليات:
الأولى وضعه تحت الرقابة الصارمة بما يمنعه من ارتكاب سلوكياته العدوانية، والثانية صده بحسم عبر إشعاره دائما بأن هناك ثمنا فادحا لتجاوزاته، والثالثة عزله لمحاصرة خطره.

بعبارة واضحة لن تسلم الدول العربية من الخطر، إلا بمبادرتها إلى ردع النوازع السيكوباتية في أعماق إسرائيل، وهذا لن يتأتى بغير القوة

المنطقي والحتمي معا أن يقف المطبعون وشيعة «السلام الدافئ» أمام هذه الحقيقة التي زادها العدوان على قطر وضوحا، ولم يخترعها بالقطع.
المؤسف أن العرب لا يتبعون هذه الآليات إزاء العدو الذي يتعمد إيذاءهم، والمخزي أنهم بعد العدوان الغادر على دولة شقيقة تمارس دور الوساطة بغية وقف شلال الدماء، ما زال فيهم من يتشدق بضرورة العودة إلى ما يسمى مسار السلام.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان