الدروس المستفادة من الهجوم الإسرائيلي على الدوحة

علم دولة قطر (منصات التواصل)

جاء القصف الإسرائيلي للدوحة الثلاثاء الماضي في إطار الاستهداف الإسرائيلي للعديد من العواصم العربية خلال العقود الأخيرة، بداية من القصف المستمر للبنان منذ عام 1970 وحتى الآن عبر سلسلة من الحروب، وقصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، واستهداف مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط قرب العاصمة التونسية عام 1985 والذي أسفر عن مقتل حوالى 60 شخصًا، وتدمير ما قيل إنه مفاعل نووي سوري قرب دير الزور عام 2007، والغارات الجوية على سوريا منذ 2011 وحتى الآن.
وضرباتها الجوية المتكررة لليمن منذ يوليو/تموز 2024 وحتى الآن، ومؤخرًا الهجوم الذي استهدف أسطول الصمود بمياه تونس الإقليمية. وكانت عدد من المدن المصرية قد تعرضت لضربات إسرائيلية في حربي 1967 و1973، كما تعرضت الأردن للقصف الإسرائيلي خلال معركة الكرامة عام 1968، وهو ما يشير إلى تعرض سبع دول عربية للعدوان الإسرائيلي مسبقًا.

ليجيء الهجوم على الدوحة ليضيف دولة عربية ثامنة، بخلاف القصف المستمر للشعب الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة الغربية العامين الأخيرين. وهكذا نحن إزاء العدوان على تسع دول عربية، وهو ما يتسق مع السعي الإسرائيلي لتنفيذ الحلم التوراتي بإقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وهو ما أكدته تصريحات غالانت حين تم قصف اليمن للمرة الأولى، وتصريحات رئيس الكنيست الإسرائيلي بعد الهجوم على قطر بأن هذه رسالة للشرق الأوسط. وهو ما تكرر مسبقًا بتصريحات الوزيرين بن غفير وسموتريتش ورئيس الوزراء نتنياهو، إلى جانب اتفاق كل من الحكومة والمعارضة الإسرائيلية على الإشادة بالهجوم على الدوحة الذي استهدف قادة حماس.

العرب ما زالوا بمرحلة الشجب والإدانة

يشير الهجوم الإسرائيلي على الدوحة إلى توقع توجيه ضربات مماثلة لدول عربية أخرى، وربما يصل الأمر إلى تركيا كما وصل من قبل إلى إيران. ولقد شجع الموقف الرسمي العربي العدوان الإسرائيلي على الدوحة، والذي اكتفى كالعادة ببيانات الشجب والإدانة دون اتخاذ أية مواقف عملية خاصة من الدول المطبعة مع الكيان، على أن يهدد رئيس الوزراء الإسرائيلي قطر بتكرار الهجوم مستقبلًا، حين طالب قطر بطرد قادة المقاومة من البلاد أو تقديمهم للمحاكمة، لأنه «إذا لم تفعلوا ذلك سنفعل نحن».

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ويعلم الجميع أن موافقة قطر على استقبال قادة حماس منذ عام 2012 كانت بطلب أمريكي–إسرائيلي، وهو ما تكرر بعد حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول حينما طلبت كل من واشنطن وتل أبيب من قطر الوساطة للإفراج عن الرهائن، وتبني قطر للعديد من جولات التفاوض التي جرت على أراضيها بشكل علني، وبحضور وفود أمريكية وإسرائيلية، والتي أسفرت عن الإفراج عن عدد من الرهائن مما حسّن موقف الحكومة الإسرائيلية أمام أسر المحتجزين.

ولهذا فإن الغدر الإسرائيلي بالتعدي على سيادة قطر يرسل رسائل مباشرة للدول المطبعة مع الكيان بأنها ليست بمنأى عن العدوان إذا تعارضت المصالح، وهو ما سيتضح مع الرغبة الإسرائيلية بتهجير سكان غزة إلى سيناء وسكان الضفة الغربية إلى الأردن، وربما يصل الأمر إلى تركيا بسبب مساندتها السياسية للمقاومة، ودعمها للنظام السوري الذي يتصدى لدعوات التجزئة التي تسعى إليها إسرائيل خاصة بالسويداء. وفي هذا أيضًا رسالة للحكومات العربية التي كانت تستعد للتطبيع بأن تتريث كثيرًا، وكذلك استبدال بعض من كانوا يحصرون العدو لهم في إيران بأن العدو الأول للجميع يتمثل في الكيان الصهيوني، الذي يقصف عددًا من البلدان حاليًا بشكل مستمر في سوريا ولبنان واليمن وتونس.

وهكذا يجب أن تدرك الأنظمة العربية أن غزة تعد جزءًا من الأمن القومي لها، حين تعطل تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنها حين تساعد غزة تدافع عن مصالحها الذاتية، وعليها أن تنأى بنفسها عن الدعوة لتسليم سلاح المقاومة الذي يؤجل العدوان على أراضيها.

العدوان تم بسماح أمريكي

درس آخر يتعلق بالموقف الأمريكي من العدوان على قطر، والذي ادعى بعد فشل العدوان في القضاء على قادة حماس أن «العدوان على قطر يتعارض مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية»، حيث ذكر أنه علم بنية العدوان قبل حدوثه، فلو كان يريد منعه لقام بذلك، خاصة أنه منذ عام 2018 هناك حوار استراتيجي قطري–أمريكي أسفر عن تعهد أمريكي بالدفاع عن أمن قطر وذلك في فترة ترامب الأولى.

وها هي الزيارة الأخيرة لترامب إلى الدوحة في مايو/أيار الماضي تسفر عن تعهد أمريكي بالدفاع عن قطر في حالة تعرضها لأي هجوم، علاوة على تصريح الرئيس السابق بايدن باعتبار قطر «شريكًا رئيسيًا من خارج الناتو»، إضافة إلى وجود قاعدة العديد الجوية في قطر والتي تساهم الدوحة بالإنفاق عليها، والتي بررت الولايات المتحدة وجودها بحماية قطر. وهي القاعدة التي ترصد أية تحركات جوية من مصر وحتى أفغانستان، بينما لم تقم بأي دور سواء بالتنبيه المسبق للعدوان الإسرائيلي أو مواجهته.

وهو ما يفتح الباب للنظر في جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية بدول الخليج والشك في أداء دورها في حماية تلك البلدان، وهو ما يتسق مع ما جاء على لسان رئيس الوزراء القطري للمبعوث الأمريكي ويتكوف، بأنه «يبدو أننا بحاجة لشركاء أمنيين جدد، لأننا تعرضنا لهجومين بالأشهر الستة الأخيرة ولم توفروا لنا الحماية».

الاغتيالات لم تستعد الأسرى

أما الموقف الأوروبي من العدوان فما زال يتحدث عن بحث تعليق بعض المزايا التجارية باتفاق الشراكة مع إسرائيل، وهو ما تعارضه دول أوروبية، بينما يهدد مسؤولون إسرائيليون بأنهم سيعيدون الكرة أكثر من مرة من أجل القضاء على قادة المقاومة، وبما يشير إلى أننا في عصر القوة التي يقدسها ترامب، والتي أزاحت دور الدبلوماسية في حسم الصراعات جانبًا.

ولهذا لا يصدق الكثيرون تصريحات ترامب بأن الوقت كان قد تأخر لإمكانه منع العدوان، حيث برهنت مواقفه في الشهور الماضية على أنه لا يحترم العهود والاتفاقيات، بدليل مواقفه مع حلفائه في كندا والمكسيك وأوروبا وأوكرانيا وبنما ومؤخرًا الهند، ومواقفه من البرازيل وفنزويلا.

ولهذا يجب البحث عن تحالفات جديدة مثل التعاون بشكل أكبر مع دول مثل تركيا وباكستان، والبحث عن مصادر أخرى للسلاح في ظل القيود التي يتم فرضها على استخدام السلاح الأمريكي، وأبرزها الصين بعد نجاح أسلحتها بالتصدي للهجوم الهندي على باكستان، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الدول الكبرى سواء الصين أو روسيا أو ألمانيا أو إنجلترا أو فرنسا، توظف ذلك التعاون العسكري لمصلحتها أولًا، حيث تسعى الصين لزيادة نفوذها بمنطقة الخليج.

ومن الدروس للعدوان أنه يجب إعادة النظر في الاستثمارات الضخمة التي وعدت بها دول خليجية الولايات المتحدة، في ظل تبين أن واشنطن تفضل إسرائيل عن أي حليف عربي آخر أيا كان حجم ثرواته أو حجم استفادتها منه، وأن تلك الاستثمارات يتحول جزء منها في شكل معونات ومساعدات مالية وعسكرية لمساندة إسرائيل في عدوانها على الدول العربية وليس غزة فقط.

كذلك فإن الاغتيالات أمر معنوي لدى العدو، لكنه رغم ضحاياه في قطر، لم يستطع أن يعيد الأسرى أو يوقف عمليات الحوثي أو يحسن صورة إسرائيل المتدهورة دوليًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان