الدوحة بين مهمتها الأخلاقية ومخاطر استهداف وفود المقاومة

خليل الحية القائم بأعمال رئيس حركة حماس في قطاع غزة، ورئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة
خليل الحية القائم بأعمال رئيس حركة حماس في قطاع غزة، ورئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة (الجزيرة مباشر)

ساحة صراع جديدة تضاف لأرض غزة في استهداف قادة المقاومة الفلسطينية في المنفى وأماكن التفاوض، في ضربة توصف بالغشم السياسي حين أقدمت حكومة الكيان بمحاولة غادرة وفاشلة لاستهداف المفاوضين في الدوحة. وبالرغم من أن قطر لا تشترك بحدود مع دولة الاحتلال، وبالرغم من قيامها بدور الوسيط في ظروف سياسية صعبة عجزت دول كبرى عن القيام بمثله، إلا أن حكومة الكيان اتخذت القرار ونفذت العملية وسط دهشة شعوب العالم.

فقد تحولت ساحة البحث عن السلام إلى ساحة حرب أخرى، وكأن العدو الغاشم لم تكفه غزة للعربدة والقتل والإبادة الجماعية وهو مطمئن لانعدام الحساب، بعدما توقفت الأمة العربية حتى عن الشجب والاستنكار.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لقد امتدت ساحة القتل إلى حيث ظن المفاوضون أنهم في أمان لتأدية مهامهم في وقف تلك الحرب غير الإنسانية.

تاريخ طويل من المطاردة والاغتيالات

شكلت الاغتيالات السياسية الخارجية منذ السبعينيات وحتى اليوم أداة مشبوهة في يد الاحتلال الإسرائيلي، استعملها لشَلّ حركة المقاومة الفلسطينية وتقويضها، فقد جرت عمليات في بيروت وتونس ودبي وماليزيا، حيث طالت يد الموساد قادة المقاومة بلا رحمة: قُتل القائد “ماجد أبو شرار” في روما عام 1981، واغتيل “خليل الوزير” في تونس 1988، وتمت محاولة فاشلة لاغتيال “خالد مشعل” في عمان عام 1997، وليس بعيدا عنا اغتيال الشهيد إسماعيل هنية في طهران، لتُختم بالمحاولة الغاشمة في الدوحة في خرق فاضح للأعراف والمواثيق الدولية، وقد سارعت معظم الدول لاستنكار الحادث، محذّرة من إشعال المنطقة وهدم كل محاولات الوصول إلى السلام أو وقف الحرب.

قطر في قلب العاصفة

مثلت قطر في السنوات الأخيرة مركزا سياسيا وإعلاميا بارزا في المنطقة، فتحت أبوابها لقيادات (حماس) بعد خروجهم من دمشق، لتصبح ملاذا آمنا، متحمّلة أعباء جسيمة لم يقدر عليها غيرها، وهكذا وُضعت الدوحة في مرمى معادلات شائكة: فهي دولة صغيرة تعتمد على التوازنات الدولية من جهة، ومن جهة أخرى تستضيف هدفا أمنيا مطلوبا من الدرجة الأولى لإسرائيل وربما الولايات المتحدة، ما يجعلها مطالَبة بحمايتهم.

الاغتيال كأداة للضغط السياسي

لم يكن استهداف قيادات (حماس) مجرد محاولة للتخلص منهم، بل أيضا ورقة ضغط سياسي ورسالة مزدوجة. بالنسبة للمقاومة: “لا مكان آمن يؤويكم”، فالقادة السياسيون والمقاتلون في خندق واحد، والاستهداف يطول الجميع ولو خالف القانون الدولي وأساء لسمعة الكيان التي لم تعد تهم قادته. أما بالنسبة لقطر، فالرسالة واضحة: إرباك الدولة الوسيطة وتقييد دورها، حتى لا تتمدد في أدوار سياسية أخرى. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن كل عملية اغتيال تفرز قادة أشد بأسا وإصرارا على تحقيق مكتسبات أكبر، سواء في ميدان التفاوض أو في ساحة المقاومة.

البعد الإنساني للمنفى

ثمة جانب إنساني يغيب عن أنظار كثيرين: وجود قادة المقاومة في الخارج ليس رفاهية، بل معاناة. قد يُتهمون بالعيش في فنادق فاخرة، لكن ذلك لا يحميهم فعليا من الملاحقة ولا يضمن مستقبلهم، بل يزيد من أعبائهم النفسية والسياسية، خوفا من الفشل في مهامهم التي تؤثر مباشرة في إطالة أمد حرب الإبادة أو وقفها، فكل دقيقة تمر تعني عشرات الشهداء من ضحايا القصف أو الموت جوعا، في سابقة لم تعرفها الأجيال الحديثة.

قطر كمعادلة أخلاقية وسياسية

رغم مشقة حماية وفود المقاومة وصعوبة المهمة في ظل تعاطي إسرائيل غير المبالي بالغضب الشعبي العالمي، فإن قطر حملت البعد الأخلاقي للعروبة والقضية الفلسطينية، فهي تدرك التبعات السياسية والاقتصادية، لكنها آثرت الالتزام بمسؤولية تاريخية، خصوصا في بيئة إقليمية مضطربة ومفاوضات تكاد تكون عقيمة. وقفت قناة الجزيرة بدورها كظهير إعلامي قوي، فضحت الجرائم ورفعت الوعي الدولي، وقدمت أكبر عدد من شهداء الصحافة في الحرب الدائرة وما سبقها.

أين العرب والمسلمون مما يدور؟

إذا كانت الدوحة قد استُهدفت اليوم بانتهاك حرمة أراضيها، فقد استُهدفت من قبل دمشق وبيروت وطهران وصنعاء، فمن التالي؟ وهل القاهرة وأنقرة بعيدة عن الاستهداف؟ وإذا تُركت الدوحة وحدها اليوم، فمن يذود عن غيرها غدا؟ أين العرب والمسلمون من هذه اللحظة التاريخية؟

إن جريمة الفرقة اليوم لا تقل بشاعة عن جريمة العدو في استهداف مدننا ورجالنا. لقد حانت ساعة الحقيقة: إما أن تتوحد الأمة وتعلن وجودها في معركتها المصيرية، أو تُفرض عليها المعركة قسرا وهي غافلة، لتسجل نفسها شاهدا على إبادة شعب وضياع أرض مقدسة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان