العرض العسكري يكشف الغموض حول الصين وحلفائها الجدد!

في الخامس من سبتمبر/أيلول الجاري احتفلت بكين بالذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية بعرض عسكري ضخم، بدا في ظاهره مناسبة احتفالية، لاستعراض القوة العسكرية لدولة تريد محو آثار «قرن العار» وإزالة ما طال شعبها من مذلة وتقسيم على يد الاستعمار الياباني والغربي، خلال حقبة بغيضة، امتدت من منتصف القرن الـ19 حتى قيام ثورة 1949.
نظر كثيرون إلى العرض العسكري، دون الالتفات إلى أحداث متصلة به ليلة العرض، حيث تحولت سماء بكين إلى لوحة واسعة مرسومة بالألعاب النارية التي يتفنن بها الصينيون، منذ آلاف السنين. هذه المرة، لعب الذكاء الاصطناعي مع الطائرات المسيّرة، والإبداع التكنولوجي في توظيف التكنولوجيا لعرض رواية مصورة، تَروي الأحداث الجسام التي مرت بالصين. في النهاية شاهد المتابعون لمسة من يد خفية تسقط على سماء ميدان «تيانامين»، لتشعل سهما ناريا يضيء السحب على امتداد البصر، وتلقي بالزهور ومناظر خلابة يعيشها الشعب وأخرى تنتظره بالمستقبل.
ولادة «ابن السماء الجديد»
المشهد البديع يُرى بالعين ولا يُروى، لأن الأقلام ستعجز عن الإحاطة برموزه وروعته، ولكن من يعرف قداسة ودلالة الميدان الشهير، بقلب بكين المقام على مساحة تسع نحو نصف مليون نسمة، سيدرك أن الحدث وقع أمام المدينة المحرمة، حيث مقر الأسر الإمبراطورية التي حكمت الدولة لقرون، ولم يسقط دورها إلا باحتلال اليابان لشمال وشرق الصين، ودخول البلاد في حالة من الفوضى، بالتوازي مع سقوط تايوان والجنوب والمدن الكبرى في يد 11 دولة استعمارية على رأسها بريطانيا وفرنسا وأمريكا.
رسمت الطائرات المسيّرة مع أشعة الليزر لوحة «نهضة الصين»، أعقبها العرض العسكري المهيب، الذي أذهل الأعداء وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي ترامب، قبل أن يخلب لب الأصدقاء، خاصة الذين يدركون أن الصورة المكتملة للمشهد بها شفرة تعكس إصرار الراوي على التماهي بين الإرث الإمبراطوري بالصور والألوان، والقصر الإمبراطوري، والكونفوشيوسية التي ظلت ديانة رسمية للدولة على امتداد 2500 عام.
زج الراوي في المشهد المهيب لكل من العرضين الليلي والعسكري نهارا، بيد خفية جاءت من السماء لتشعل الضياء، في شكل تجسيد حقيقي لما يعتقد به الصينيون وفقا للعقيدة الكونفوشيوسية، في أن الإمبراطور هو «ابن السماء» ولذلك لم يكن مسموحا لهم برؤية الإمبراطور، ولكن الوقوف ببابه في الميدان السماوي «تيانامين» لاقتباس بعض من نوره الذي يسقط عليهم والتبرك به.
جاء المشهد الذي تصدره الرئيس شي جينبنغ، ليخبرنا عن «ابن السماء الجديد» كانعكاس حي لمحاولة النظام الشيوعي العلماني التصالح مع ماضيه الديني وتقاليد شعبه المحبة لعقيدتها وللألعاب النارية والكونغ فو وامتلاك مصادر القوة والقتال للحفاظ على شرف الأمة وحماية قائد الدولة.
مسرحية سياسية
لم يكن الحدث الكبير مجرد استعراض عسكري، بل كان مشهدا بمسرحية سياسية، ترسخ لسلطة شي جين بنغ الذي أصبح –وفقا للدستور– المرشد الأعلى للحزب الشيوعي والدولة والأخ الأكبر لكل كبير والعم لكل صغير، ويسعى إلى ترسيم نفسه دوليا كإمبراطور أمة نهضت من سباتها.
خلال الاحتفال خرج شي عن التقليد الكونفوشيوسي، الذي يميل إلى إخفاء عناصر القوة والاكتفاء بالعمل في صمت. قرر كسر قاعدة الغموض والتواضع، وأقام عرضا عسكريا مهيبا يظهر قدرته على إطلاق الأسلحة النووية من البر والبحر والجو والفضاء، وجاهزية قواته البشرية بالدبابات والصواريخ، وإبداعه في صناعة الجنود الآليين الذين أطلق عليهم «الروبوت الذئب» المكلفين بالدفاع عن البشر بالمناطق الخطرة، بما يحول دون تعريض حياة شعبه وجنوده لأية مخاطر، ويصيب الأعداء بالرعب.
هذه الرؤية وضعها الرئيس شي منذ وصوله للحكم، موظفا النزعة القومية في دعمها بالمال الذي يريده رغم ما يمر به الاقتصاد من تباطؤ أدى إلى ارتفاع البطالة وتراجع القوة الشرائية والوظائف، باعتبارها جزءا من النهضة الوطنية، حيث أصبح الجيش واستعراضاته منصة رئيسية لبعث الفخر الوطني ومصدرا للشرعية.
«ليُسمع العالم صوتنا»
بعد عقد من رفعه شعار «لتُسمع الصين صوتها للعالم» الذي أطلقه أثناء العرض التاريخي الأول بمناسبة مرور 70 عاما على طرد الصين للقوات اليابانية في حضور 65 رئيسا وقائدا دوليا، حيث حرص على الوقوف بين سلفيه هو جين تاو وزي مين ليرسل إشارة للعالم، بتواصل الأجيال وتوحد رجال الدولة من خلفه. ظهر شي في الاحتفال بمرور 80 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية، بين الرئيس الروسي بوتين والكوري الشمالي كيم جونغ، ومن قبل بساعات مع رئيس وزراء الهند مودي، ليكرس صورته كزعيم مطلق النفوذ، وصاحب قوة عسكرية قادرة على حجز موقع للصين كدولة ترى نفسها وريثة النصر على الفاشية في صورتها القديمة، ومؤشر لاستعدادها بأن تكون قوة بديلة للولايات المتحدة، التي تسيء التعامل مع حلفائها كالهند، وتحاصر القوى الرافضة لهيمنتها، كروسيا، وتستهين بأصدقائها خاصة من الدول النامية.
تشير دراسة حديثة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، أن جيش الصين يسعى خلال العقد الأخير إلى التحول من جيش شعبي يتملك قوة دفاعية إقليمية إلى آخر حديث قادر على تنفيذ عمليات خارج حدوده، ومنافسة للولايات المتحدة على النفوذ العالمي.
تبين الدراسة أن القوات البرية هي الأكبر على مستوى العالم، حيث تضم 915 ألف جندي في الوحدات القتالية، وتوسعت في التدريب العسكري مع روسيا، وإدخال الطائرات المسيرة، والمروحيات الهجومية، وتقنيات الحرب الإلكترونية وراجمات الصواريخ بعيدة المدى والباليستية، بالإضافة إلى التحول نحو الأتمتة وتعزيز الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية، وحروب الفضاء، ليكون متفوقا على أقوى الجيوش بالعالم، بحلول عام 2049.
لا حصانة للحلفاء
رغم حجم الجيش الصيني وعدده الهائل، فإنه ما زال يواجه تحديات جسام، تشمل قدرته على توحيد وتحديث معداته، التي بدأت مع تشغيله بمعدات روسية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتحولت بالتدريج إلى مستنسخات محلية تجمع بين الروسي والصيني، ثم صينية حديثة، مع ذلك لم تحقق الانفصال التام عن التكنولوجيا الروسية ولديها حاجة ماسة إلى كثير من المعدات التي تنتجها الشركات الغربية.
ما زالت القوات الصينية تعاني من سوء الجاهزية لخوض المعارك الكبرى على كافة الجبهات، وأدى تدخل الحزب الحاكم في شتى أمور الجيش إلى انفجار قضايا فساد مالي وإداري، أحدثها ما ارتكبه مؤخرا 3 من وزراء الدفاع وقادة القوات الاستراتيجية النووية والبحرية.
هذه المشاكل تعرقل انتقال الجيش الصيني من قوة دفاعية إقليمية إلى أداة هجومية، رغم استعداده المتزايد لغزو تايوان من أجل إعادتها كرها أو طوعا للوطن وأمله في التنافس مع الولايات المتحدة في جنوب آسيا والمحيط الهادي، على المدى المنظور.
رغم مظاهرة القوة العاتية التي رأينا للجيش الصيني في تيانامين، لن يكون قادرا على تحمل مسؤولية الدفاع عن حلفائه في مناطق أخرى حول العالم، على المدى القريب والمنظور، الأمر الذي يدفع النظام الشيوعي إلى التوافق مع الولايات المتحدة والغرب حول إدارة الأزمات الدولية، دون تصادم حول مصالحه الحيوية، وإن تطلب الأمر التراجع عن بعض هذه المصالح مقابل عدم تخطي حافة الهاوية، وهذا ما نشهده في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وحالة الحرب في غزة والبحر الأحمر، حيث تظل قدرة الصين لدعم شركائها الاستراتيجيين محدودة الأثر، عند بيانات الإدانة والدعم السياسي لا غير.
