فتاوى عبد الحليم محمود.. الصوفي المتفلسف

الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر شخصية معروفة في الأوساط العلمية بغزارة إنتاجه في مجال الفلسفة الإسلامية والتصوف، والترجمة عن الفرنسية، في المجال الفلسفي والأديان، ولكن ما يجهله الكثيرون، وغفل عنه المتحدثون عن الفتوى والمفتين، أن له فتاوى جمعت في جزئين كبيرين، ونشرت تحت عنوان: (فتاوى الإمام عبد الحليم محمود).
وربما كان سبب عدم وقوف أهل البحث الفقهي والعلمي على فتاويه، أن الرجل لم يُعرف عنه اشتغال بالفقه بمعناه التقليدي لدى أهله، فقد كان اشتهر باشتغاله بفقه السلوك، وعندما كتب في العبادات، كتب من هذه الناحية، متأثرا بالإمام أبي حامد الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين، فرأينا لعبد الحليم محمود كتابه: العبادة أسرار وأحكام، وشهر الصوم، وكتب أخرى في هذا السياق.
فتاوى المشتغلين بالفلسفة والعلوم الإنسانية
ولذا لم ينتبه أهل البحث في الفتوى لفتاويه، وفتاوى آخرين اشتهروا بالاشتغال بالفلسفة، والعلوم الإنسانية، والفكر الإسلامي، كالدكتور محمد البهي، وقد كتبنا عن فتاويه عدة مقالات، وهناك فتاوى للدكتور محمد يوسف موسى، وإن كانت قليلة، لكنها مهمة أيضا، أما عبد الحليم محمود فبحكم مكانته العلمية، كعالم أزهري في كلية أصول الدين، ثم كأمين عام لمجمع البحوث الإسلامية لسنوات، ثم توليه وزارة الأوقاف، ثم بعدها مباشرة تولى مشيخة الأزهر، فمن الطبيعي أن يتجه إليه العامة والخاصة في مصر والعالم الإسلامي بالسؤال والفتوى، بحكم الثقة فيمن يتبوأ هذا المنصب.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وقد نتج عن هذه المراسلات هذا الكم من الفتاوى، ولم تجمع في حياة الشيخ، بل جمعها بعد وفاته ابنه: الدكتور منيع عبد الحليم محمود، ولكن مما يؤسف له أن فتاوى عبد الحليم محمود خلت من أسئلة المستفتين، فقد نشرت تحت عناوين، يفهم منه ضمنا صيغة السؤال، على وجه العموم، مما يفقد كثيرا من الأسئلة بعض خصوصيتها، وهو ما يفقد الباحثين في العلوم الاجتماعية والدينية، معلومات السؤال، والتي تحمل -بلا شك- تفاصيل تتعلق بالواقع الاجتماعي والديني الذي يعيشه السائل، ويعبر بشكل آخر عن المجتمع كذلك، وعن مشاغله الفكرية والدينية والحياتية، ومعلومات أخرى تنبع من داخل الأسئلة، وإن تضمن بعضها نص الجواب الذي يقوم به المفتي.
غطت فتاوى عبد الحليم محمود معظم أبواب العلم المشهورة، بداية بالعقيدة، ومرورا بالعبادات، ثم المعاملات بشتى مجالاتها، بما في ذلك الجانب الجنائي والسياسي، وامتازت بحكم تخصص صاحبها في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وأنه درس مادة العقيدة لسنوات طويلة في الأزهر، بأن الجانب المتعلق بالتصوف، والجانب الفلسفي، برزت فيه شخصية المفتي في هذا الجانب.
وهو ما أعطى ميزة لهذه الفتاوى في هذا الجانب، حيث كانت المرحلة التي كتب إجابة أسئلتها، مرحلة مملوءة بالأفكار المخالفة للإسلام، أو مرحلة ذات طبيعة معينة، من حيث الأفكار المجلوبة من خارج بلادنا من الآخر، سواء كان شرقيا أو غربيا، ولذا كانت هناك فتاوى كثيرة تتعلق بالمذاهب المعاصرة، مثل: الشيوعية، والاشتراكية، والرأسمالية، والوجودية، وغيرها من الأفكار التي كانت تمور بها الحياة الفكرية آنذاك.
فتاوى عبد الحليم محمود والأحاديث
شاب فتاوى عبد الحليم محمود بعض العيوب التي لا تغض من قيمتها العلمية، مثل: وقوعه في بعض الأحاديث الضعيفة، وهو أمر مشتهر آنذاك بين كثيرين من أبناء جيله من الأزهريين غير المختصين بعلم الحديث، وإن كان في كثير من استشهاداته يرد الحديث لمصدره، فيقول مثلا: رواه الطبراني، أو أبو داود، وهكذا.
وقد كان الشيخ الغزالي رحمه الله قد كتب مقالا انتقد فيه استشهاد عبد الحليم محمود بالأحاديث الضعيفة، وقال عنه: إنه حاطب ليل في الأحاديث، وبعدها بفترة وجيزة تولى محمود وزارة الأوقاف، وقد كان الغزالي وقتها موظفا بالأوقاف، فخوفه بعض الناس من أن ينكل به محمود، فلم يعبأ الغزالي، بل فوجئ بطلبه لمكتبه في الوزارة، مخبرا إياه، أنه قرأ نقده، ورحب به، وأن مكتبه مفتوح له دائما لكل نقد بناء، ولكل نصح مفيد، ونتج عن ذلك تعاون كبير بينهما وقت تولي محمود وزارة الأوقاف.
الجانب الفكري والفلسفي في الفتاوى
وإذا كانت فتاوى عبد الحليم محمود في الجانب الفكري والفلسفي يراعي فيها ما يطرح من شبهات على الشباب، فقد كان يراعي الجانب النفسي والتربوي كذلك، فتشعر فيما يكتب بروح وعاطفة الأبوة نحوهم، إذ يرى أنهم أجيال محرومة من التوجيه الحقيقي، والمعتدل للدين، ولذا كان يميل -في كثير من فتاواه المتعلقة بالتدين- للتيسير في الفتوى، لأن التشديد سيؤدي بهم إلى الابتعاد عن التدين، والشعور بالغربة عنه. ورغم تيسيره في جانب الأفراد، فلم يكن ميسرا فيما يتعلق بالأنظمة، حتى لا يتهم بالمجاملة، أو اللين في هذا الجانب.
أما عن لغته في الفتوى، فهي لغة سلسلة ميسرة، تجمع بين مخاطبة العقل والقلب، فرغم روحانيته وميله المعروف للتصوف، لم يكن ذلك على حساب العقل، ومراعاة ما يخاطب به، وله كتاب مهم عن: الإسلام والعقل، في غاية الأهمية في الموضوع، في علاقة العقل بالشرع، وحدود العقل معه، ومتى يعمل، ومتى يسلم للشرع، وهو ما نراه تطبيقا عمليا لما أصل له فلسفيا ودينيا في كتابه، عند فتاويه التي تحتاج لذلك، وما أكثرها في جزئي الفتاوى.
لم يعن كثيرا في الفتوى بالتدليل المذهبي، بل كان لا يكثر من ذكر المذاهب والأقوال، إلا فيما تحتاجه الفتوى لذلك، أو إذا طلب منه السائل بيان المذاهب، وماذا يرى من قول، وهو قليل في فتاويه، لكنه موجود ليدل على تعمق الرجل فيما تعرض له من فتاوى، لكنه مال إلى التيسير في الرأي والعرض على القارئ، ويفتي بما ترجح لديه، وندر أن يذكر رأيا أو فتوى بدون دليل عليها، وهو ما يؤكد على تصوف الرجل الملتزم بالنص الشرعي، وهو التصوف الذي دعا إليه كبار أئمة التصوف، وربطهم التصوف بالنصوص، لا بالأذواق والمواجد لدى المتصوفة.
