لنا بيانات الشجب والإدانة ولهم مصانع الأسلحة والقذائف!

إني لأفتح عيني حين أفتحها .. على كثير ولكن لا أرى أحدًا.
هذا التعبير المبدع للشاعر العباسي دعبل الخزاعي هو الأمثل حينما تتأمل حال الأمة العربية والإسلامية فيما يمر بها من مخاطر جسام “زحام وأبواق طريق مزعجة” كما يقول الشاعر المصري صلاح جاهين في إحدى رباعياته.
بيانات بيانات
هكذا الحال بينما نتأمل ردود الفعل العربية والعالمية على ما يحدث في غزة منذ عامين وما حدث مؤخرًا في الدوحة من استهداف الوفد الفلسطيني المجتمع ليناقش مبادرة ترامب للاتفاق على وقف إطلاق النار وتوقيعه مع الكيان الصهيوني.
ما إن انتهت الغارة الصهيونية على الدوحة وأسفرت عن استشهاد خمسة من معاوني القيادة الفلسطينية وشرطي قطري حتى صدرت البيانات من كل العالم، بما فيها البيت الأبيض الأمريكي الشريك والراعي الرئيسي في حرب الإبادة على غزة، وفي ضرباته من لبنان لإيران لسوريا واليمن، والضفة الغربية. وإن كان ترامب أعلن أنه فوجئ بالضربة على قطر وانتهاك سيادتها.
تراث بلاغي متجذر
لابد أن الغرب الأوروبي والأمريكي قد أدرك التراث العربي في البلاغة ومقارعات الشعر في سوق عكاظ، والتنافس في بلاط الأمراء والملوك على جوائز الإبداع الشعري في المدح والهجاء، فأصاب الغرب الهدف دائمًا. فالعرب تكفيهم البيانات الشديدة والإدانات العنيفة لكل جرائم الكيان الصهيوني، ولابد من اجتماع الأمم المتحدة بكل أعضائها ولعدة ساعات، على كل مندوبي العالم أن يشبعوا عقول وآذان الشعوب والقادة العرب بكلمات عنيفة وشديدة ضد الاحتلال وجرائمه وانتهاكاته لتشبع العرب، ولكنها لا تمر بجوار الآذان الصهيونية الصماء.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وهكذا تخرج الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كبيرة تدين إسرائيل والعدوان وانتهاك سيادة خمس دول عربية وإسلامية، وتطالب بدولة فلسطينية في إطار حل الدولتين المزعوم، فقط في القاعات ولا يعترف به الكيان، ولا رئيس وزراء عصابته نتنياهو، بل يمضي نتنياهو في زعمه أن الوقت قد حان لقيام دولة إسرائيل الكبرى، ويمضي في إسقاط الآلاف من أطنان القذائف على ما تبقى من بقايا غزة، وما تبقى من شعبها.
رغم الإدانة الكيان يستمر
48 ساعة بعد ضرب الدوحة وأثناء اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، والزعم باجتماع مجلس الأمن، لم يتوقف القصف الصهيوني على غزة، جحيم هنا وكلمات رنانة هناك، ولكن لا أحد في العالم يقول لنتنياهو “توقف”. لا أحد في العالم يمنع سفن وطائرات السلاح من الإقلاع إلى الأرض المحتلة، لا ميناء في العالم يتوقف عن إمداد الكيان بما يحتاجه من طاقة، غذاء، سلاح. كل التعاملات التجارية وخطوط التوصيل برًا وبحرًا وجوًا لا تزال تعمل وبكفاءة، بل الأدْهى إنشاء طرق ومسارات جديدة بعد طوفان الأقصى، وبدء حرب إبادة الشعب الفلسطيني.
بعد ضربة الدوحة وانتهاك سيادة واستقلال قطر، نتنياهو يعلن: “لا أحد في المنطقة يستطيع إيقافنا”. ولا ترامب ولا غيره يقول له: ماذا تقول؟ بل الحال في العالم يقول: “امضِ في طريقك ولا تُبقِ على حجر ولا بشر في تلك المنطقة”.
اتفاق بين العالم والكيان
كأنه اتفاق ضمني بين العالم كله والعصابة الصهيونية مقتضاه: نحن نعرف داء العرب ودواءه، سنملأ الدنيا بيانات شجب وإدانة لأفعالكم، ونجعل الأصدقاء والعملاء في كل العالم يصرخون منددين بجرائمكم، ولكن لا تعطوهم بالًا، فهذا يكفي الأمة المذبوحة. سيملأون شاشاتهم بما نقول، ويسوّدون صحفهم بالاجتماعات و والاعتراف المتوقع من دول كذا. سيفرحون ويهللون، ولكنكم عليكم الاستمرار في ضرب غزة، سوريا، لبنان، اليمن، بينما نحن جالسون في مقاعد ما يسمى بالأمم المتحدة.
اترك العرب يجتمعون في أروقة الجامعة العربية، وقمة عربية استثنائية، وإسلامية طارئة، دعوهم يصرخون ويشجبون وينددون، وينادون العالم بخطوات تجاه العربدة الصهيونية والقتل الجماعي النازي المتوحش. دعوا رؤساءهم ووزراء خارجيتهم يخرجون ويصرحون ويعلنون، واتركوا ساستهم ومنظماتهم وهيئاتهم يطالبون القادة والدول والمنظمات الدولية باتخاذ مواقف ضد إسرائيل، ولكن امضوا إلى تدميرهم ونفذوا أحلامكم فيهم بلا توقف.
الأسلحة والقذائف لإسرائيل
مصانع الأسلحة والمختبرات العلمية لا تتوقف عن تصنيع أسلحة جديدة تُجرى تجاربها في الأرض العربية والإسلامية بإمداد غربي وتوصيل – أحيانًا عربي – إلى الكيان ليستخدمها في إبادة العرب. فقد حسم الموقف العالمي: الشجب والإدانة للعرب وبيانات الصراخ، والأسلحة والقنابل والمساعدات للكيان الصهيوني. أما المساعدات لأطفال غزة ونسائها وشيوخها فلتفسد على بوابات العبور في رفح وغيرها.
لم تتوقف التجارة مع الكيان الصهيوني يومًا منذ بدء العدوان عالميًا، عربيًا، إسلاميًا. لم تقف سفينة تجارية في ميناء ولم تتعطل، بل أنجزنا لهم طرقًا برية تمر بأرض عربية. فماذا ننتظر من اجتماع في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو اجتماع قمة عربية إسلامية في الدوحة؟ بحق ماذا ننتظر ونحن نقترب من اكتمال العام الثاني من المذبحة والاعتداء وانتهاك السيادات في كل أنحاء المنطقة؟
المقاومة هي الحل
إن أمة بلا قوة لا يُحسب حسابها في موازين العالم الجديد (ولا القديم). أمة لا تنتج سلاحها تظل مرهونة لأعدائها مهما قدموا من خدمات وهدايا وتنازلات. أمة لا تشعر شعوبها بالحرية والقدرة على الحركة لتشارك في صد العدوان لا يمكن أن يُحسب حسابها في ميزان العالم.
أمة لا تحقق العدالة يكفيها كلمات لا تُسمن ولا تُغني. هذا العالم المتوحش لا يلجمه سوى قوتك. أما أمة تحارب بعضها البعض، وتتقاسم كل يوم وطنًا بين قوات متناحرة، فلن تذهب إلى المستقبل. لذا سيظل العرب والمسلمون رهائن بيانات الشجب والإدانة ما لم يتوحدوا، وينتجوا غذاءهم وسلاحهم وعلومهم. وحتى ذلك الحين، فالمقاومة ودعمها هو الحل.
