الصحافة المصرية وحوار التطوير

لا بد من رفع القيود عن حرية إصدار المواقع والصحف (غيتي)

خلال السنوات التسع الأخيرة بدا مشهد الصحافة المصرية صعبا ومأزوما.
طاولة طويلة يصطف عليها طابور لا ينتهي من المديرين بينما النصف الآخر منها فارغ.
عشرات المديرين والقيادات يتصدرون المشهد، بينما النصف الفارغ من الطاولة يبحث عن القارئ وعن الحرية، ويطلب من السادة المسؤولين أن يرفعوا عن المهنة عبء القوانين المقيِّدة، وحصار الرقيب الذي لا يرحم.

كان لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع قيادات الهيئات الإعلامية منذ نحو شهر لافتا، فهي المرة الأولى التي يصدر عن اجتماع بهذا المستوى تصريحات تخص “حرية الصحافة”، و”الرأي والرأي الآخر”، واحترام تنوع الأفكار، وغيرها من جُمل كانت مميزة وكما لم يحدث من قبل.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

في التفسير الهادئ بدا أن هناك في الدولة من التفت إلى أهمية دور الصحافة الحرة، التي تنير الطريق لا التي تفرشه بالمدح والثناء.
منذ أطلق الرئيس دعوته بدأت التحركات، اجتماعات على مستوى الهيئات المنظمة للصحافة، فضلا عن نقابة الصحفيين، وحوارات لا تنقطع في الإعلام حول ترجمة رؤية السيسي إلى خريطة طريق تنتشل الصحافة المصرية من ورطتها الكبيرة وأزمتها الكبرى.

لكن الحوار الذي هو مهم ومطلوب ولا بد منه تجاهل ثلاث قضايا لا يمكن الحديث عن تطور الإعلام، أو تطوير محتواه دون أن نتوقف عندها بالتغيير والتعديل.

الحرية أولا وأخيرا

ليست الحرية شعارا في الممارسة الصحفية بل هي أم القضايا.
لا صحافة بلا حرية.
هذه حقيقة مؤكدة أثبتتها الوقائع مئات المرات، وشهد عليها واقع المهنة ومناخها المحاصر منذ تسع سنوات.

والحرية تبدأ بإرادة سياسية تحترم حق الصحافة في النشر والنقد والاختلاف وطرح الأسئلة.
رفع اليد الغليظة التي تحاصر المهنة هو الخطوة الأولى باتجاه صحافة حقيقية.
محتوى حر ومهني، وصحفي ليس خائفا أن يكتب أو يسأل هو أول الطريق.
كل المطلوب أن تخضع الصحافة للقوانين ولضمائر محرريها فقط.
فلا مطالبات ولا ضغوط ولا اتصالات.

مهنة تمارس دورها كما رسمه الدستور وكما تحدده أدبياتها الراسخة منذ عشرات السنين.
بدون النقاش الحر عن الصحافة الحرة وحدود هذه الحرية واحترامها لا أمل في تغيير.
سيتحول التغيير إلى ديكور شكلي لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

الحرية هي القضية الأولى.
إذا لم تضعها النقاشات الجارية الآن في قلب القضايا فلا حوار ينفع ولا نقاشات تفيد.
في قلب الحديث عن حرية الصحافة لا يمكن تجاهل أن أكثر من عشرين زميلا صحفيا لا زالوا محبوسين حتى الآن.
الإفراج عن هؤلاء هو ما يمهد الطريق ويزيل الشكوك حول القادم.
كل المحبوسين على ذمة قضايا النشر أو الرأي يستحقون الحرية، وخروجهم من السجون هو التأكيد الواضح على أن القادم ربما يكون مختلفًا عن كل ما فات.

القوانين.. تعديل واستحداث

خلال النقاشات الدائرة الآن بدا أن هناك تجاهلا لكل ما له علاقة بالقوانين التي تنظم المهنة.
بدون تعديلات تشريعية مطلوبة لا يمكن رسم طريق مختلف عن الساري الآن.

على الأقل، وعلى وجه عاجل، هناك تشريعان على قدر كبير من الأهمية يجب التعامل معهما بالتغيير والاستحداث.

التعديل الأول والجوهري والمطلوب يجب أن يسري على القانون 180 لسنة 2018، أو قانون تنظيم المجلس الأعلى للإعلام.
بالممارسة العملية طوال 7 سنوات بدا هذا القانون معطِّلا لعمل الصحافة أكثر من أي شيء آخر.
فرض عليها القيود وحاصرها بمصطلحات واتهامات مطاطية وغير منضبطة وليس لها تعريف واضح.
العنصرية والكراهية ومعاداة الديمقراطية والإباحية وغيرها هي اتهامات يمكن أن تذهب بالصحفي إلى أقرب محكمة.

ثم إن هذا القانون وضع عقوبات غليظة على مخالفة هذه الاتهامات العبثية غير المفهومة.
عقوبات تصل لحجب الصحف والمواقع بشكل مؤقت أو دائم، فضلا عن الغرامات الكبيرة.
ثم بدا النص القانوني الشاذ والغريب عن “تصريح التغطية الصحفية” الصادر من وزارة الداخلية ضربة كبرى للمهنة وممارسيها.

بمعنى أوضح: على الصحفي الحصول على تصريح من وزارة الداخلية قبل تغطية أي حدث وإلا بات عمله مخالفا للقانون!

بدون تعديل كل هذه النصوص، وإدخال تغييرات جوهرية على هذا القانون لا يمكن تهيئة المناخ العام لعمل الصحافة، ولا يمكن لها أن تقوم بدورها الحقيقي والمؤثر.

مع بداية الحوار لترجمة تصريحات الرئيس ورسم خريطة الطريق لا يمكن تجاوز أن مصر حتى الآن بلا قانون لحرية تداول المعلومات.
والتغيير التشريعي الثاني والمطلوب هو وضع تشريع يضمن تداول المعلومات والحصول عليها من مصادرها.

تغيير بسيط لكنه جوهري في نشر الحقائق ومواجهة الشائعات والحصول على البيانات والمعلومات الرسمية.

إذا وصل الحوار الجاري الآن إلى ضرورة تعديل القانون 180 واستحداث قانون لحرية تداول المعلومات يمكننا أن نتفاءل بأن جديدا قد يحدث في مشهد الإعلام المصري.
وإلا فإننا نكون قد اخترنا سياسة الجري في المكان.
بل ربما يغدو جريًا للوراء إذا أضعنا فرصة فتح الملفات الجادة والحقيقية، وإدماجها في قلب النقاش الدائر بلا خوف أو تردد.

رفع القيود عن حرية الإصدار

هي القضية الثالثة التي يجب تضمينها في النقاشات الجارية.
رفع كل القيود عن حرية إصدار المواقع والصحف، وتخفيف الشروط الصعبة المفروضة على إصدار تجارب صحفية جديدة.

قد يحتاج الأمر تعديلا تشريعيا في القانون 180 أيضا، لكن المطلوب بشكل عاجل وقف القيود التي تمنع الترخيص للإصدار عبر شروط أسهل وأبسط.
في التخفف من هذه الشروط المانعة والمعطلة دعمٌ مؤكد لحرية الإصدار، التي هي جزء مؤكد من الصحافة الحرة.

لكنها في المقابل أيضا تمثل دعما اقتصاديا واجتماعيا للصحفيين أنفسهم.
فإطلاق حرية الإصدار يعني أن يتوسع سوق العمل الصحفي.
ويعني زيادة فرص العمل بالنسبة لشباب الصحفيين بالذات.
ويعني سوقا يتنافس فيه الجميع بما يساعد في تحسين الرواتب والأجور، بل وتطوير المحتوى والخدمة الصحفية.

حتى الآن ليس هناك حديث واضح عن حرية الإصدار كجزء مهم من أي عملية تطوير مطلوبة ومأمولة.
بالحرية الحقيقية والتعديلات التشريعية المطلوبة، وإتاحة حرية إصدار المواقع والصحف دون قيود، يمكن أن نقتنع أننا أمام طريق حقيقي يرسم خطوات مهمة لمستقبل مهنة الصحافة.
وعلى أي نقاش دائر أن يضع تلك القضايا على أجندته بشكل عاجل وبلا تردد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان