قصف قطر.. هل يشكل تحوّلًا في الوعي العربي اتجاه إسرائيل؟

إسرائيل تعلن مسؤوليتها عن الهجوم على قادة بـ"حماس" في قطر
آثار القصف الإسرائيلي لمبنى يجتمع فيه وفد حماس المفاوض في الدوحة (رويترز)

ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن مجرد مرحلة عابرة في المواجهة الممتدة بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني، بل تحوّلت الأحداث إلى مساحة إقليمية مفتوحة على كافة الاحتمالات.

فحين استهدفت إسرائيل، قبل أيام، مجمّعًا سكنيًّا مدنيًّا داخل العاصمة القطرية الدوحة، كان يوجد فيه قادة سياسيون مفاوضون من حركة حماس، يناقشون مقترحًا أمريكيًّا بهدنة لوقف إطلاق النار في غزة، بدا المشهد وكأن خطوطًا حمراء جديدة تُرسم، لا لحماية الدول، بل لانتهاك سيادتها.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الهجوم الإسرائيلي الغادر في 9 سبتمبر/أيلول 2025 على قطر حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، لكونه استهدف دولة عربية لم تشارك في أي عمليات عسكرية ضد إسرائيل، بل كانت ولا تزال وسيطًا في ملفات إنسانية، وعلى رأسها ملف الأسرى وجهود وقف إطلاق النار في غزة.

الضربة إذًا ليست مجرد «حادث أمني»، بل تمثل خرقًا صريحًا للسيادة، ورسالة إقليمية تتجاوز الحسابات التقليدية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لماذا استُهدفت قطر؟

عندما تتجاوز إسرائيل جغرافيا الصراع، فإن سؤالًا مهمًّا يطرح نفسه، وهو: لماذا استهداف قطر؟

الاستهداف الإسرائيلي لقطر ليس حادثًا عرضيًّا، بل رسالة سياسية مركّبة:

الرسالة الأولى موجَّهة إلى قطر نفسها، لما تمثّله من صوت إعلامي مؤثّر عبر شبكة الجزيرة، ولسياستها المستقلة نسبيًّا عن الخط الرسمي لبعض العواصم الكبرى.

الرسالة الثانية موجَّهة لبقية الدول العربية: أن لا أحد في مأمن من اليد الطويلة لإسرائيل، حتى من لم يرفع صوته عاليًا.

لم تعد إسرائيل تخشى فقط المواجهات المباشرة، بل تسعى لإعادة تعريف من هو «العدو» و«المستهدف»، متجاوزة حدود فلسطين وسيناء وجنوب لبنان وسوريا، إلى قلب الخليج العربي.

إذًا، فالهجوم الإسرائيلي على قطر يحمل أبعادًا تتجاوز الجغرافيا والحدث ذاته.

ما قامت به إسرائيل لا يهدد أمن قطر وسيادتها فقط، بل يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الحسابات الأمنية الإسرائيلية تضع في اعتبارها احترامًا لسيادة الدول العربية؟!

الهجوم الإسرائيلي لم يستهدف جماعة مسلّحة تنشط من أرض قطر، بل قادة سياسيين يجتمعون لبحث تهدئة محتملة، داخل دولة مضيفة، وفق أعراف دبلوماسية متّبعة.

هذا يمثل استباحة صريحة لمنظومة العلاقات الدولية، ويكشف مدى استعداد إسرائيل لتوسيع مسرح عملياتها دون اعتبار لحدود أو اتفاقات.

لذا فإن الموقف العربي والإسلامي أمام اختبار صعب جراء الهجوم الإسرائيلي على قطر.

من الدوحة إلى سائر المنطقة، الجميع مهددون. فاستهداف إسرائيل لقطر حادث يمكن اعتباره بداية نمط استراتيجي جديد؛ حيث بات الجميع هدفًا محتملًا، وهذا التحوّل يجب أن يُقرأ بعين استراتيجية.

من هذه الزاوية، يصبح الصمت أو الحياد في القضايا المركزية كفلسطين أو العدالة الدولية ذريعةً للضرب، لا حمايةً من العدوان.

نقطة تحوّل في الوعي السياسي العربي

قد يكون الهجوم الإسرائيلي على قطر، رغم محدوديته النارية، لحظة وعي سياسي عميقة.

فللمرة الأولى منذ عقود، تُضرَب دولة عربية ذات سيادة دون أن تكون طرفًا في الصراع العسكري، وفي سياق «وساطة» لا «مواجهة».

هذه مفارقة خطيرة؛ إن الوساطة التي يُفترض أن تُكافأ دبلوماسيًّا، أصبحت هدفًا عسكريًّا؟!

وهنا يبرز تساؤل استراتيجي مهم: هل ستبقى بعض الدول تراهن على أن الصمت أو «التطبيع التكتيكي» سيجعلها في مأمن من استهداف مماثل؟

وبعيدًا عن القمم والبيانات، تبدو الشعوب العربية أكثر وعيًا بخطورة التوغّل الإسرائيلي المتزايد.

الهجوم على قطر لم يُقرأ باعتباره خلافًا سياسيًّا، بل عدوانًا على كل من تبقى له صوت حرّ في هذا العالم العربي المأزوم.

قد تكون هذه الحادثة، رغم قسوتها، فرصة نادرة لإعادة بناء وعي عربي جديد، بأن فلسطين لم تعد وحدها، وأن الاحتلال بات يهدد الجميع، سياسيًّا وأمنيًّا وإعلاميًّا.

ويبقى السؤال هنا هو: ما المطلوب نحو رد عربي أوسع؟ إن الرد العربي لا ينبغي أن يتوقف عند قطر، بل يجب أن يتحوّل إلى موقف استراتيجي جماعي يُعيد رسم حدود العلاقة مع إسرائيل، ويضع آليات واضحة للرد، تبدأ من المحافل الدولية، ولا تنتهي بالعقوبات والمقاطعة.

فمن غير المقبول، بعد اليوم، أن تبقى الدول العربية رهينة حسابات المصالح الضيّقة، بينما تُنتهك سيادتها الواحدة تلو الأخرى.

ربما لن تغيّر قمة الدوحة ميزان القوى الإقليمي، لكنها يجب أن تغيّر شيئًا في وعينا السياسي نحن العرب.

إسرائيل لا تحارب الفلسطينيين فقط، بل تضع كل من يرفض مشروعها في خانة «العدو المحتمل».

إن لم نُدرك هذه الحقيقة، ونتصرف وفقًا لها، فإن القادم سيكون أكثر عنفًا، وأوسع من مجرد قصف منشآت. فهل نستفيق قبل أن تُستهدف عواصم أخرى؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان