سوريا.. ما بين طلاس والشرع!

مناف طلاس (منصات التواصل)


عاد اسم مناف طلاس إلى التداول، وهو ابن وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس، وأحد الضباط الذين انشقوا عن النظام عام 2012. ظهر في باريس في محاضرة بجامعة «سيانس بو» في 13 سبتمبر / أيلول 2025، وأمام بعض أبناء الجالية السورية وصحفيين أوروبيين حاول أن يعرض رؤيته لبناء سوريا جديدة.

أبرز ما ذكره طلاس أنه لا يسعى إلى استعادة السلطة، بل إلى المشاركة في بناء الدولة، داعيًا إلى الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة، وتأسيس جيش وطني يقوم على عقيدة علمانية، وتوحيد السلاح تحت راية وطنية مستقلة عن الأجندات الخارجية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأكد أن المجلس العسكري الذي أسهم في إنشائه يضم أكثر من عشرة آلاف ضابط من الجيش السابق ممن لم تتلوث أيديهم بالدماء، ومعهم عناصر من فصائل مسلحة ومن قوات سوريا الديمقراطية، وأن انتقال بعض صلاحيات الرئيس إلى هذا المجلس سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.

كما دعا إلى مسار سياسي يستند إلى القرار 2254 مع تعديله، ومرحلة انتقالية تقودها هيئة حكم تشاركية.

وتحدث عن الإسلام السوري باعتباره معتدلًا أشعريًا وصوفيًا، وفتح الباب أمام الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ما دامت تشارك ولا تفرض رؤيتها.

أما في قضية اللامركزية، فقد رأى أن الجيش يجب أن يبقى مركزيًا وطنيًا، مع منح المحافظات صلاحيات واسعة، وختم بأن أي نقاش حول التطبيع مع إسرائيل سابق لأوانه قبل أن تستعيد الدولة شرعيتها.

هذه الأفكار، تبدو على اتساقها النظري، مشوبة بأخطاء ومبالغات.

مبالغات مناف مصطفى طلاس

أخطأ طلاس حين ربط الجيش بالعلمانية، فالمعيار الوطني ليس الأيديولوجيا، بل حماية الوطن وصيانة وحدته.
والجيش الذي يُبنى على عقيدة فكرية مسبقة يصبح هو نفسه أداة إقصاء، بينما ما يحتاجه السوريون هو جيش وطني غير مؤدلج يحمي الدولة والمجتمع.

وأخطأ حين تحدث عن الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة، وهو لم ينجح خلال ثلاثة عشر عامًا في أن يكوّن إطارًا سياسيًا أو اجتماعيًا مؤثرًا، بل بقي حضوره في الإعلام والصالونات السياسية الخارجية.

وأخطأ أيضًا في تبسيطه للهوية الدينية السورية وكأنها محصورة في الأشعرية والتصوف، متجاهلًا تنوع الفقهاء والمدارس التي شكّلت النسيج السوري عبر القرون.

أما مبالغاته فكانت أوضح في حديثه عن المجلس العسكري وأرقامه.
فالواقع يشير إلى أن شبكته لا تتعدى عشرات قليلة من الضباط المتقاعدين، أغلبهم من رفاق والده.
ولو كان المجلس فعلًا بهذه السعة لكان له أثر واضح في الداخل أو في مسارات التفاوض، وهو ما لم يحصل.

وبالغ أيضًا حين صوّر أن نقل بعض صلاحيات الرئيس إلى هذا المجلس ممكن أو مطروح جديًا، في حين إن أي مبادرة دولية أو إقليمية لم تأخذ هذا الطرح على محمل التنفيذ.
بل إن محاضرته في باريس بدت أقرب إلى مناسبة دعائية لإحياء اسمه من جديد في المشهد السياسي.

لهذا، فإن كثيرًا من السوريين استقبلوا خطابه بفتور واستخفاف واستهجان، لأنه خطاب يغازل الخارج أكثر مما يخاطب الداخل.

الشرع جاء من هنا

وفي المقابل، عندما ننظر إلى الرئيس أحمد الشرع نرى الفارق بوضوح.
الشرع جاء في ظرف استثنائي حاسم، حاز فيه شرعية الموقع وشرعية المرحلة، وقدم نفسه كمشروع دولة لا كمشروع سلطة.
حاول أن يوازن بين المكونات، وأن يفتح الباب أمام إعادة بناء المؤسسات في إطار وطني جامع، رغم صعوبة الطريق.
وهو يتحدث من موقع المسؤولية داخل سوريا، إلى الداخل السوري، ساعيًا إلى استعادة الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.

أما طلاس، فيطل من منصة أكاديمية غربية، بلغته التي قد تعجب النخب الأوروبية، لكنها غريبة عن المزاج السوري العام.

المقارنة بين الرجلين هي في حقيقتها مقارنة بين مشروع واقعي قابل للاختبار، وبين صورة قديمة مهما جرى تجميلها.
الشرع يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة عقد وطني جامع، بينما طلاس يظل أسير صورة العائلة والنخبة التي ارتبطت بالنظام القديم.

لذلك، فإن الحديث عن طلاس قد يفيد بعض القوى الخارجية كورقة ضغط، لكنه لا يجد مكانًا في الداخل السوري الباحث عن قيادة جديدة ورؤية سياسية واضحة تستند إلى ثقة المواطنين.

إن بناء الدولة السورية لن يتحقق باستدعاء وجوه من الماضي، بل بإنتاج قيادة تنبع من صميم المجتمع، وتستند إلى عقد اجتماعي جديد، وتضع القانون والمواطنة فوق الولاءات الضيقة.

وإذا أراد الشرع أن يرسخ الفارق، فعليه أن يثبته بالفعل لا بالقول، بأن يعيد بناء المؤسسات على قاعدة الشرعية، ويعيد للإنسان السوري اعتباره باعتباره القيمة العليا، وينفتح على جميع المكونات بروح شراكة لا إقصاء.

عندها وحدها تخرج سوريا من منطق السلطة إلى منطق الدولة، وتستعيد التضحيات معناها.

ومسك الختام أن موقف السيد مناف طلاس يظهر جليًا أين أخطأ وأين بالغ؛ لم يخاطب الداخل السوري، ولم يقدم مشروعًا قابلًا للتنفيذ، بل أعاد إنتاج صورة رمزية، والرمزية قد تُحدث ضجيجًا، لكنها لا تبني دولة ولا تستعيد وطنًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان