إثيوبيا.. «قمة المناخ» تبدأ من القاع

القارة على خط التماس بين الأمل في التنمية المستدامة والخطر الداهم للتغير المناخي (الذكاء الإصطناعي)

هناك سبع عشرة دولة من قارة إفريقيا في قائمة الدول العشرين الأكثر عرضة للتغيرات المناخية حول العالم، وهو ما يؤكد بوضوح أن إفريقيا معنية أكثر من غيرها بمناقشة قضايا المناخ والبيئة، وكذلك بكيفية تمويل تكلفة التكيف مع الخسائر الناتجة عن التغير المناخي.
لكن دول إفريقيا، التي طالما راهنت واتكأت على الدعم والتمويل الغربي في معالجة آثار وخسائر التغير المناخي، وجدت نفسها مع ضعف الاهتمام وقلة التمويل وعدم الوفاء بالوعود مضطرة أن تبدأ من القاع لبناء قاعدة قارية وتأسيس آليات محلية وإقليمية للتعامل مع تحديات التغير المناخي وكلفته الباهظة.

ميراث الاستعمار

خلّفت التغيرات المناخية التي أصابت إفريقيا تحديات جسيمة تواجه الزراعة والأمن الغذائي والمائي والصحة والتعليم، وهي المجالات التي تعاني أصلًا منذ الحقبة الاستعمارية وبعد انتهائها، في القارة التي ظلت لقرون تحت هيمنة القوى الغربية، وتعرضت خلالها لعملية نهب ممنهج لثرواتها، وتدمير لبيئتها ومواردها الطبيعية.
وقد ظل الخطاب الإفريقي خلال عقود شكّاء بكّاء من المشكلات البيئية والمناخية دون جهد جماعي لافت لحلها أو التعامل معها، في ظل غرق القارة في الصراعات الداخلية التي عطّلت قاطرة الاقتصاد والتنمية المستدامة، وكذلك التطور الديمقراطي في الحياة السياسية لمعظم المجتمعات الإفريقية. وكذلك بسبب انتظار ما لا يجيء من تحمّل الدول الكبرى مسؤولية وتكلفة ما تسببه قاعدتها الصناعية القوية من نصيب كبير في ظاهرة الاحترار العالمي.

مساهمة أقل

بعد تلكؤ في الممارسة ومماطلة واضحة وعدم اكتراث بما يجري على الأرض الإفريقية، فإن القارة السمراء أدركت أخيرًا أنه لا بد من تطوير حلول خاصة، لأنه لم يعد ممكنًا الاعتماد على الدول الكبرى، وخاصة الغربية، في حل المعضلات الناتجة عن التغيرات المناخية التي تضرب العالم وتتضرر القارة السمراء منها بنسبة كبيرة، دون أن تسهم بنصيب يُذكر في العوامل البشرية التي أدت إليها.
وتسهم إفريقيا بنحو 4% فقط من الاحترار العالمي، في مقابل 30٪ للصين و14٪ للولايات المتحدة الأمريكية و8٪ لدول أوروبا.
وتنعكس الأرقام بالطبع على متوسط نصيب الفرد من الانبعاثات المسببة للتغيرات المناخية؛ حيث يساهم كل شخص في إفريقيا بأقل من طن واحد سنويًا، مقابل أكثر من 15 طنًا للفرد في دول أمريكا الشمالية، وحوالي 7 أطنان في أوروبا.

غير أن متابعة خريطة مصادر الانبعاثات الضارة في إفريقيا تكشف أن قطاع الطاقة، الذي يشمل مناجم الفحم وآبار النفط وحقول الغاز، يمثل نحو 40% من حجم الانبعاثات الناتجة عن النشاط البشري في القارة.
وإذا لاحظنا أن معظم الاستثمارات في هذا القطاع تعود بصورة أو أخرى لرأس المال الغربي، المملوك مباشرة للحكومات أو عبر شركات متعددة الجنسيات أو حتى عبر شراكات يهيمن فيها رأس المال الغربي على النسبة الحاكمة، فإن النتيجة الواضحة أن الدول الغربية مسؤولة أيضًا باستثماراتها عن جزء كبير يقترب من نصف إسهامات إفريقيا في ظاهرة الاحتباس الحراري التي تؤدي للتغيرات المناخية.

وبينما يسهم النشاط الزراعي وإزالة الغابات بنحو 30٪، فإن النشاط الصناعي في إفريقيا يأتي في مرتبة متدنية بسبب ضعف وتدهور القطاع الصناعي في عموم القارة، عكس القاعدة الصناعية الضخمة في أمريكا والصين وأوروبا.

.. وخسائر أكبر

المفارقة أن إفريقيا، رغم مساهمتها المحدودة، فإنها الأكثر تضررًا من التغيرات المناخية؛ حيث تضم منطقة الساحل وشرق إفريقيا، وهي من أكثر المناطق عرضة للجفاف المتكرر في العالم. كما تتعرض مدغشقر وموزمبيق مثلًا للعواصف والأعاصير الناتجة عن ظاهرة الاحترار العالمي، كما تعاني إفريقيا من ظاهرة التصحر والفيضانات.
ووفق تقرير «حالة المناخ في إفريقيا» عام 2024، فإن القارة تشهد العقد الأكثر دفئًا على الإطلاق، كما أن هناك ارتفاعًا قياسيًا في درجة حرارة سطح البحر خلال العام نفسه.
ويؤكد التقرير الصادر في مايو/أيار الماضي عن «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية» أن الطقس المتطرف وتغير المناخ يؤديان إلى تكثيف الجوع وانعدام الأمن والنزوح في جميع أنحاء إفريقيا، مما يؤثر على كل جوانب وفرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

أفريقيا تقود العالم

لفت التقرير المذكور إلى أهمية التحول الرقمي، ودعا إلى استغلال الفرص الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في البنية التحتية وتبادل البيانات، وهو ما التفت إليه القادة الأفارقة في اجتماعهم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال قمة إفريقيا الثانية للمناخ، التي عقدت في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر/أيلول الجاري، والتي أبرزت إمكانية أن يكون لقارة إفريقيا صوت واحد أمام العالم فيما يتعلق بقضايا المناخ والبيئة.
شارك في المؤتمر حوالي 25 ألفًا من القادة والممثلين الرسميين وناشطو المجتمع المدني، وعُقدت نحو 200 جلسة نقاش على هامش المؤتمر، كما قدّم 43 من المطورين ابتكارات وحلولًا لدعم التنمية الخضراء في معرض أقيم على هامش المؤتمر.

وتحت شعار «إفريقيا لا تنتظر تحرك العالم بل تقوده» تقول «وانجيرا ماثاي» المديرة العامة لشراكات إفريقيا والعالم: «يجب علينا تحويل تمويل المناخ من مساعدات إلى استثمار استراتيجي، وزيادة التمويل بشكل كبير، ودفع أجندة إصلاحية تحشد جميع مصادر التمويل على نطاق واسع، وتضمن العدالة والإنصاف».
وتعهد القادة الأفارقة والمؤسسات المالية بتقديم ما يصل إلى 100 مليار دولار أمريكي في مبادرة «التصنيع الأخضر في إفريقيا» لدفع عجلة الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية المقاومة لتغير المناخ.

بعض القادة انتقدوا الدول الغنية التي لم تلتزم بما فيه الكفاية بتحمّل تكلفة التغيرات المناخية، أو أن شروط التمويل غالبًا تأتي بشروط تعقّد التنفيذ. ورحّبت صناديق تنموية بالمبادرات الجديدة لكنها شددت على الانتقال من الخطابات والبيانات إلى آليات تنفيذ قابلة للقياس والشفافية.

الفلاح والمناخ

في كلمته تحسّر الرئيس الكيني وليم روتو وهو يُقرّ أن بلاده خسرت 2.5 مليون رأس من الماشية خلال عامين ونصف العام بسبب الآثار الناتجة عن التغير المناخي في البلد الواقع شرق إفريقيا.
يدلّل «روتو»، الذي استضافت بلاده القمة الإفريقية الأولى للمناخ قبل عامين، على الأثر الاقتصادي المباشر والخسائر التي يمكن أن تتركها التغيرات المناخية على المجتمعات النامية في قارة إفريقيا. فالماشية هي رأس المال الأهم للمزارع الكيني، وفقدانه يعني أنه مهدد في مصدر رزقه. وهو ما يؤكد أن إفريقيا، التي صعدت من اهتمامها بالأجندة المناخية، ما زالت في بداية الطريق نحو العدالة المناخية، لأنها بدأت من القاع بتدشين قمم أفريقيا للمناخ خروجًا من عباءة الغرب التي لا تتسع لأحلام القارة السمراء.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان