كيف نحرر الديمقراطية من السيطرة الأمريكية؟!

بناء مستقبلنا يحتاج إلى أن نطلق خيالنا، ونفتح المجال للباحثين لطرح أسئلة جديدة، ونشجعهم على التفكير الحر، ونقد السياسات الغربية، واكتشاف التحيز والمعايير المزدوجة والغرور والعنصرية في هذه السياسات.
من أهم ما يمكن أن نبحثه بعمق موقف أمريكا من قضية الديمقراطية؛ فأمريكا صوّرت نفسها كمدافع عنها في مواجهة السلطوية والديكتاتورية، وبنت صورتها على أنها الدولة التي تحمي حقوق الشعوب في الحرية، والاختيار الحر لنظمها وقيادتها.
وتزايد الترويج لهذه الصورة مع تطور العولمة وانهيار الاتحاد السوفيتي.. ولقد كسبت أمريكا القلوب والعقول في الكثير من الشعوب بترويجها لتلك الصورة، واستخدم الليبراليون في دول الجنوب التجربة الأمريكية كمرجعية للمناقشة، ولإرهاب الذين يعملون لتحرير بلادهم من التبعية والاستعمار الجديد والسيطرة الثقافية، وتصويرهم بأنهم أعداء الديمقراطية.
نريد الديموقراطية.. ولكن!
وأثار ذلك رد فعل عند الشعوب التي اعتبرت أن الخطاب الليبرالي يبرر التبعية لأمريكا والاستعمار الجديد، ولم يستمع الليبراليون العرب لأصوات مخلصة طرحت دعوة للحوار حول الديمقراطية، وضرورة تحريرها من السيطرة الأمريكية. وكنت من هذه الأصوات التي تدافع بقوة عن الديمقراطية كوسيلة لتحقيق الاستقلال الشامل، وحماية إرادة الشعوب، وحقوقها في التعبير والتفكير، وابتكار نماذج جديدة للديمقراطية لا تتقيد بالتجربة الأمريكية. وأرى أننا نستطيع أن نقدم للإنسانية تجارب جديدة أكثر عدلًا وقدرة على تحقيق الحرية والتنمية.
لكنني سأقدم لكم أصواتًا من داخل النظام الأمريكي، بالرغم من أنني أعتقد أن هذه الأصوات المعارضة هي الأكثر إخلاصًا لهذا النظام؛ فهي تريد ترشيده وتقويته وحمايته من الغطرسة والغرور والنفاق والعنصرية، لأن التاريخ يبرهن أنها من أهم عوامل السقوط والانهيار. كما أن قيام أمريكا بإسقاط التجارب الديمقراطية للشعوب يؤدي إلى تزايد كراهية هذه الشعوب لها، واستطلاعات الرأي العام توضح أن العداء لأمريكا ينتشر في العالم كله حتى في أوروبا.
أول تلك الأصوات التي تقدم نقدًا للسلوك الأمريكي نحو الديمقراطية هو نعوم تشومسكي، الذي أصدر كتابًا عنوانه: (ردع الديمقراطية)، يوضح فيه أن الولايات المتحدة تدّعي دعم الديمقراطية لكنها في الواقع تتدخل لتثبيت أنظمة تابعة لها، وتردع الديمقراطية عندما لا تتوافق مع مصالحها الاقتصادية أو الأمنية.
ولذلك يدعو تشومسكي الشعوب إلى اليقظة والتحدي الشعبي والسياسي لمواجهة الهيمنة الأمريكية دفاعًا عن الديمقراطية؛ فواشنطن لا تدعم الديمقراطية كقيمة عالمية، بل تدعمها عندما تكون الديمقراطية منسجمة مع مصالحها الاقتصادية والأمنية.
والولايات المتحدة تتحدث عن “نشر الديمقراطية” لكنها عمليًا تمارس ما يسميه تشومسكي “ردع الديمقراطية”.
أي أنها تسمح بالديمقراطية وتشجعها فقط إذا جاءت بالأنظمة أو الحكومات المتحالفة مع واشنطن والتابعة لها.
أما إذا أفرزت الديمقراطية قوى يسارية أو وطنية، أو إسلامية مستقلة يمكن أن تهدد الشركات الأمريكية أو نفوذها الاستراتيجي، فإن الولايات المتحدة تتحرك لإسقاطها أو حصارها.
ويقدم تشومسكي الكثير من الأمثلة التي تبرهن على صحة هذه النتيجة؛ حيث أشار إلى تدخلات واشنطن في غواتيمالا، وتشيلي، ونيكاراغوا.
وفي كل هذه الحالات، كانت الولايات المتحدة تطيح بحكومات منتخبة ديمقراطيًا (مثل سلفادور أليندي في تشيلي)، لأنها اتخذت سياسات لا تخدم الشركات الأمريكية أو تهدد نفوذها.
ويرى تشومسكي أن واشنطن لا تقبل بالديمقراطية الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط، لأن الشعوب العربية سترفض السياسات الأمريكية، خاصة دعمها لإسرائيل. لذلك فإن السياسة الأمريكية لا تعارض الاستبداد في الشرق الأوسط، بل على العكس، تدعمه ما دام يضمن المصالح الأمريكية ويكبح المعارضة الشعبية.
فالولايات المتحدة دعمت مقاطعة حكومة “حماس” المنتخبة عام 2006، لأنها لم تتوافق مع سياساتها، وهذا يوضح أن الديمقراطية مقبولة فقط إذا جاءت بالأنظمة المطيعة التابعة لأمريكا.
آليات منع الديمقراطية
يشرح تشومسكي أدوات واشنطن في إعاقة الديمقراطيات غير المرغوبة، وهي: الانقلابات العسكرية؛ والحصار الاقتصادي لإفشال الحكومات المنتخبة؛ ودعم الاستبداد إذا كان يضمن المصالح الأمريكية؛ والتدخل الإعلامي والدبلوماسي لتشويه القوى المعارضة.
وفي نقده للخطاب الرسمي الأمريكي يوضح تشومسكي أن الخطاب الأمريكي يتحدث عن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية”، لكن في الواقع هذه الشعارات مجرد واجهة أيديولوجية.
والحقيقة أن الهدف هو حماية الأسواق، والموارد الطبيعية، والمصالح الاستراتيجية.
ويضيف أن الولايات المتحدة تؤيد الديمقراطية فقط عندما تحقق نتائج مناسبة؛ أما عندما تفشل الديمقراطية في ذلك، فإنه يتم ردعها أو تدميرها.
والنتيجة التي يتوصل لها تشومسكي في كتابه أن الديمقراطية بالنسبة لواشنطن أداة سياسية وليست قيمة إنسانية.
ومعيارها الأساسي في الحكم على الديموقراطية هو: هل تحمي النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي المتمركز حول الولايات المتحدة؟ فهي تقوم بإجهاضها أو حصارها إن كانت لا تحمي هذا النظام.
خطورة فرض النموذج الأمريكي
أما فوكوياما فيناقش في كتابه: (أمريكا في مفترق طرق)، كيف أن السياسة الخارجية الأمريكية حاولت فرض نموذج ديمقراطي على العالم دون مراعاة للخصوصيات الثقافية والسياسية، مما أدى إلى فشل أو نتائج عكسية.
ويناقش فريد زكريا كيف أن الديمقراطية الليبرالية تواجه تحديات كبيرة من داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة في الدول التي تعتمد الديمقراطية لكن دون حماية كاملة للحقوق والحريات. فهل يمكن تحقيق الديموقراطية إذا تم تقييد حرية شعب، ومنعه من استخدام موارده لبناء اقتصاد مستقل، وبناء نظام سياسي يعبر عن إرادته؟!!
لذلك يرتبط مستقبل الديمقراطية بمقاومة الهيمنة الخارجية، ومنع تدخلها في الشؤون الداخلية للدول، واستخدام القوة أو الضغط السياسي الاقتصادي لفرض نظم تابعة لأمريكا.
والشعوب يجب أن تكافح لبناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وصحافة حرة، وقضاء مستقل دون الاعتماد على الدعم الأمريكي، ورفض الضغوط الخارجية.
بذلك يمكن أن تصبح الديمقراطية وسيلة لتحقيق التحرر الفكري والثقافي، وبناء مستقبل الشعوب وتحقيق التنمية بمشروعات وطنية تشارك فيها كل الاتجاهات السياسية، التي يجب أن تتنافس على تحقيق الاستقلال الشامل وحماية حقوق الإنسان وكرامته، واستخدام الموارد لبناء اقتصاد مستقل. لذلك يجب أن تنطلق العقول لبناء نماذج وطنية للديمقراطية.
